ما سر التصعيد العسكري بين الحوثيين و المملكة السعودية ؟

 

خريطة الصراع اليمني... جذور التصعيد العسكري بين الحوثيين والسعودية والأبعاد الجيوسياسية المعقدة

تعرف على الأسباب الحقيقية وراء التصعيد العسكري بين الحوثيين والسعودية، ودور الجغرافيا، والبعد الإقليمي، وتحليل شامل يتجاوز السطح لمستقبل الأزمة اليمنية

 مقدمة

يشهد اليمن منذ سنوات طويلة فصلاً مأساوياً من الصراع الذي تحول تدريجياً من نزاع محلي على السلطة إلى واحدة من أمعن الأزمات الجيوسياسية تعقيداً في الشرق الأوسط وفي قلب هذا المشهد الملتهب، تبرز المواجهة المستمرة بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والمملكة العربية السعودية، وهي مواجهة تتجدد كلما بدا أن آفاق الحل السلمي والتهدئة على وشك الإشراق

إن تتبع خيوط هذا الصراع لا يمكن أن يتم عبر قراءة سطحية تُختزل في كونها "حرباً مذهبية" أو مجرد رد فعل عسكري آني ، بل هي عقدة استراتيجية متكاملة تتداخل فيها جغرافيا الجبال الوعرة، وطموحات النفوذ الإقليمي الإيراني، ومخاوف الأمن القومي السعودي، ومستقبل دولة كاملة مزقتها الحرب والتشظي

 من هنا يبرز التساؤل الملح : ما هي الأسباب الكامنة وراء استمرار هذا التصعيد؟ ولماذا تعجز التكنولوجيا العسكرية الحديثة عن حسم معركة ضد جماعة غير نظامية متحصنة في جبال شمال اليمن؟

1. جذور الأزمة.... هل هو صراع مذهبي أم تنافس جيوسياسي؟

من الشائع جداً في التحليلات الإعلامية البسيطة إرجاع الصراع اليمني إلى خلفيات طائفية بحتة، باعتبار أن الحوثيين ينتمون إلى المذهب الزيدي، بينما تتبنى السعودية المذهب السني (السلفي)، لكن القراءة التاريخية العميقة تنقض هذا التفسير الأحادّي:

الطبيعة التاريخية للمذهب الزيدي

ينتمي الحوثيون فقهياً إلى المذهب الزيدي، وهو مذهب إسلامي عريق حكم أجزاء واسعة من اليمن لقرون طويلة (عبر الإمامة الزيدية التي انتهت بثورة 26 سبتمبر 1968)

 تاريخياً، لم تكن هناك قطيعة أو حروب عقائدية كبرى بين اليمن والسعودية بسبب المذهب الزيدي، نظراً لقربه الشديد في العديد من الأحكام الفقهية لأهل السنة مقارنة بالشيعة الاثنا عشرية (الموجودين في إيران أو العراق)

 الاختلاف الأيديولوجي والارتباط بطهران

لكن ما تغير جذرياً خلال العقود الثلاثة الماضية هو تحول حركة أنصار الله أيديولوجياً وسياسياً ، فمن خلال التأسيس المبدئي (شباب المؤمنين) ثم التطور التنظيمي بقيادة مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، تبنت الجماعة خطاباً سياسياً مستوحى بشكل مباشر من أدبيات الثورة الإيرانية لعام 1979 (الشعارات، والمناهج التعبوية، والموقف العدائي السام للسياسات الأمريكية والغربية)

هذا التحول الفكري فتح الباب أمام تحالف استراتيجي وعسكري مع طهران، التي وجدت في الحوثيين "ورقة ضغط" مثالية على حدود خصمها الإقليمي (السعودية)

2. العمق الاستراتيجى والأمن القومي السعودي

بالنسبة للرياض، لا تُعد المعركة مع الحوثيين حرباً دينية ولا معركة خيار، بل هي مسألة أمن قومي وجودي مباشر حيث يمكن رصد الأسباب التي تجعل السعودية منخرطة بعمق في هذا الملف من خلال المحاور التالية :

• الحدود الشاسعة والمفتوحة

 تتشارك السعودية مع اليمن حدوداً برية مترامية الأطراف وصعبة الرقابة تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، تتخللها تضاريس جبلية وصحراوية وعرة و وجود سلطة مسلحة عقائدياً ومتحالفة مع إيران على هذه العتبات يمثل تهديداً أمنياً لا يمكن لدولة تهتم لاستقرارها الاقتصادي والسياسي أن تتهاون معه

• استهداف البنية التحتية للطاقة

 أثبتت السنوات الماضية قدرة الحوثيين عبر الدعم التقني والعسكري الإيراني المتمثل في نقل تكنولوجيا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة (الدرونز)  على ضرب العمق السعودي والمنشآت الحيوية والاقتصادية الحساسة ، هذا التحول جعل حماية الاقتصاد الوطني وسلاسل الإمداد العالمية للطاقة أولوية قصوى للرياض

• الممرات المائية الحيوية

 تمثل السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وأمن الطاقة، والسيطرة عليها من قبل وكلاء إقليميين يعادون المصالح الخليجية والغربية يعد خطراً استراتيجياً بالغة خطورته

3. المعضلة العسكرية... لماذا تعجز التكنولوجيا الحديثة أمام جبال صعدة ؟

يتساءل الكثيرون ، كيف لدولة مثل السعودية تنفق مليارات الدولارات على أحدث الترسانات العسكرية في العالم (مقاتلات متطورة، ودفاعات جوية، وأنظمة رصد) ألا تحسم معركة ضد جماعة مسلحة في اليمن؟ والإجابة تكمن في طبيعة الحرب غير النظامية (Guerilla Warfare) :

قسوة الجغرافيا الجبلية

 شمال اليمن، وتحديداً معقل الحوثيين في صعدة وما حولها، عبارة عن سلاسل جبلية شاهقة ومسالك وعرة للغاية ، الجبال تمنح المدافع أفضلية مطلقة، وتلغي جانباً كبيراً من تفوق القوات الجوية والتقنية الحديثة

الحرب في هذه التضاريس تتطلب قوات مشاة برية هائلة تخوض حرب عصابات استنزافية، وهو ما تبتعد عنه الجيوش النظامية لتفادي الخسائر البشرية الفادحة

الاعتماد على حرب الشبكات والأنفاق

 لا يمتلك الحوثيون بنى تحتية تقليدية أو معسكرات ثابتة يمكن تدميرها بضربات جوية حاسمة ، بل يعتمدون على خلايا مرنة ومختبئة وسط التجمعات المدنية، إلى جانب استثمارات ضخمة في شبكات هائلة من الأنفاق والمخابئ الجبلية العميقة التي تحميهم من القصف وتتيح لهم إطلاق الصواريخ بسرعة فائقة

اقتصاد الحرب الرخيص

 تعتمد هجمات الحوثيين الأخيرة على مسيرات رخيصة الصنع وصواريخ مجنحة بتكلفة مالية زهيدة، بينما تضطر منظومات الدفاع الجوي الحديثة إلى إطلاق صواريخ اعتراضية بااهظة التكلفة لحماية المدن والمنشآت. هذا التباين المالي يمنح الطرف غير النظامي نفَساً طويلاً للاستنزاف

4. هل صنعاء هي "المفتاح السحري" لحل الأزمة؟

من الناحية العسكرية الكلاسيكية، تُعتبر العاصمة صنعاء‎ مركز الثقل السياسي والإداري والعسكري للدولة ، وسقوطها يعني إسقاط رأس الرمزية وسلطة الأمر الواقع لكن الواقع الميداني والسياسي في اليمن أكثر تعقيداً من مجرد اقتحام عسكري :

طبيعة صنعاء الجغرافية والسكانية

 المدينة مبنية على قاع حوض جبلي واسع يحيط به مرتفعات حاكمة مدججة بالتحصينات، كما أنها مكتظة بملايين المدنيين ، أي هجوم عسكري واسع النطاق يعني كارثة إنسانية وحرب شوارع مدمرة تتجنبها الجيوش النظامية

دروس التاريخ

 عندما دخل الحوثيون صنعاء في أواخر عام 2014، لم يستتب لهم الأمر بل بدأت الحرب الأهلية والإقليمية ، وبالعكس، لو افترضنا أن قوات شرعية نجحت في دخول صنعاء، فإن الحوثيين كحركة عقائدية متجذرة في الشمال لديهم القدرة على الانسحاب إلى معاقلهم الجبلية وتحويل صنعاء وبقية المناطق إلى ساحة حرب عصابات واستنزاف لا تنتهي

5. مطالب الحوثيين.... بين الواجهة الإنسانية والطموح السياسي

لفهم طبيعة التصعيد الأخير، يجب إدراك ما يطلبه الحوثيون فعلياً من وراء طاولات المفاوضات أو جبهات القتال، وهي تنقسم إلى مستويين :

المطالب المعيشية والإنسانية (الخطاب المعلن)

 يصر الحوثيون باستمرار على فتح مطار صنعاء الدولي بلا قيود، ورفع الحصار الشامل عن الموانئ (مثل ميناء الحديدة)، ودفع رواتب موظفي الدولة في عموم اليمن من عائدات الثروات النفطية والغازية التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية والتحالف

المطالب السياسية والاعتراف الإقليمي 

يسعون لفرض أنفسهم كسلطة أمر واقع كشرعية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية قادمة، وضمان النصيب الأكبر من إدارة الدولة، إضافة إلى مطالب إضافية تتعلق بإعادة الإعمار والتعويضات

الأجندة الإقليمية لموسم التصعيد

 بحكم اندماجهم العضوي في ما يُسمى "محور المقاومة"، لا تنفصل تحركات الحوثيين العسكرية أحياناً عن التطورات الإقليمية الأوسع (مثل تفاعلهم مع ملفات الصراع في غزة والمواجهة الإقليمية الكبرى مع إسرائيل والولايات المتحدة)، مما يمنحهم أوراق ضغط إضافية تتجاوز الحدود اليمنية البحتة

من خلال قراءتي المتعمقة للمشهد اليمني، أظن أن الرهان على "الحسم العسكري المطلق" أو "الانتصار السريع" هو سراب سياسي وعسكري يعيد تدوير الأزمة دون حلها

 الحوثيون ليسوا مجرد ميليشيا عابرة يمكن القضاء عليها بضربة جوية أو غزو بري عابر، بل هم ظاهرة سياسية عقائدية استغلت الفراغ البنيوي للدولة اليمنية ومظالم تهميش الشمال التاريخية لتتحول إلى قوة أمر واقع

في المقابل، فإن استمرار استراتيجية "لا سلم ولا حرب" يخدم بقاء الجماعة ويحافظ على حالة الاستنزاف المستمر للمنطقة 

 إن الحل الحقيقي والمستدام لا يكمن في البنادق ولا في إغلاق الموانئ، بل في معالجة جذور الأزمة اليمنية الداخلية، وتأسيس عقد اجتماعي وسياسي حقيقي بين مختلف مكونات الشعب اليمني يضمن الشراكة والعدالة وتوزيع الثروات، مع تفكيك الأبعاد الإقليمية المدمرة التي تجعل من اليمن ساحة حرب بالوكالة عن صراعات إقليمية كبرى لا علاقة لخبز المواطن اليمني العادي بها

ما لم تُبنَ دولة وطنية قوية ذات سيادة حقيقية على كامل التراب اليمني، ستظل الهدنات مجرد استراحات محارب، وستبقى المنطقة بأسرها على صفيح ساخن

خاتمة

يبقى الصراع بين الحوثيين والسعودية مرآة عاكسة لتعقيدات الشرق الأوسط؛ حيث تتشابك الجغرافيا القاسية مع الصراعات الطائفية، وتتقاطع المصالح الاقتصادية الكبرى مع حسابات الأمن القومي

ومع استمرار تبادل الضربات وهشاشة اتفاقات التهدئة، يظل الشعب اليمني هو الضحية الكبرى لهذه المعارك المستمرة،  فهل تتعلم أطراف الصراع دروس التاريخ وتدرك أن لا منتصر حقيقي في حروب الاستنزاف الطويلة، أم أن المنطقة موعودة بمزيد من جولات التصعيد والدمار؟

المصادر والمراجع

1. تقارير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group):دراسات تحليلية حول تطور الصراع العسكري والسياسي في اليمن (2021 - 2026)

2. أرشيف مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية: أوراق بحثية محكمة حول الجغرافيا العسكرية للحروب الجبلية في شبه الجزيرة العربية

3. تقارير الأمم المتحدة ومجلس الأمن: الوثائق الدورية الخاصة بالوضع الإنساني والسياسي وتطورات الحوار اليمني-اليمني والوساطات الإقليمية

4. الدراسات الجيوسياسية لمركز الأبحاث الإقليمية: قراءات في تداعيات التدخل العسكري في اليمن وأبعاد الأمن القومي الخليجي


إرسال تعليق

أحدث أقدم