السحر في الإسلام : حقيقة وجوده، تأثيره على الإنسان، وموقف المؤمن منه
مقال تفصيلي يستعرض حقيقة السحر في الإسلام من القرآن والسنة، أنواعه، علاقته بالشياطين، حكمه الشرعي ككفر صريح، وكيف يحصّن المؤمن نفسه
مقدمة: بين الإنكار والخوف — أين يقف المؤمن؟
يعيش الإنسان المعاصر في مفارقة غريبة تجاه موضوع السحر. فمن جهة، يزداد الإقبال على المشعوذين والعرافين في كثير من المجتمعات، حتى تلك التي توصف بالحداثة والتقدم
ومن جهة أخرى، ينكر كثيرون وجود السحر أصلاً، ويردّونه إلى الخرافة والجهل وبين هذين الطرفين، يقف المسلم أمام سؤال جوهري: ما هو موقفي الصحيح من السحر؟
الجواب لا يكمن في الإنكار المضلل، ولا في الخوف المشلّ، بل في فهم متوازن يستند إلى الوحي ، الاعتراف الجازم بوجود السحر وتأثيره، مع اليقين الراسخ بأن الله وحده هو النافع الضار، وأن كل شيء في هذا الكون لا يخرج عن مشيئته وإذنه
هذا المقال يسعى إلى تقديم هذا الفهم بشكل متكامل، بدءاً من تعريف السحر وأنواعه، مروراً بأدلته من القرآن والسنة، ووصولاً إلى الموقف الإيماني الصحيح منه
أولاً : تعريف السحر في اللغة والاصطلاح
في اللغة العربية، تدور مادة "سحر" حول معنى الخفاء والدقة واللطف فالسحر في أصله كل أمر يحدث بطريقة خفية لا تُرى أسبابها بوضوح ومن هنا قول العرب: "سحره" أي خدعه وصرفه عن وجهه ومن هذا الباب أيضاً قول النبي ﷺ: "إن من البيان لسحراً" — أي أن بعض الكلام يؤثر في القلوب تأثيراً خفياً عجيباً، فيُدخل السرور أو الحزن دون أن يُعرف كيف
التعريف الاصطلاحي
أما في الاصطلاح الشرعي، فقد عرّفه العلماء بتعريفات متقاربة، منها أنه: "عزائم ورقى وكلمات يُتوصل بها إلى تأثيرات خفية في الأبدان والقلوب والعقول، تصيب الإنسان بالمرض أو الجنون أو التفريق بين الزوجين أو غير ذلك"
وقد لاحظ ابن عثيمين أن السحر في الشرع أخصّ من السحر في اللغة، فهو يشير إلى نوع معين من التأثير الخفي المرتبط بالشياطين أو بالكلمات والطلاسم
ثانياً: أنواع السحر وأشكاله
قسّم العلماء السحر إلى أنواع متعددة، بحسب الوسيلة والأثر:
1. سحر الشرك (السحر الشيطاني)
وهو أعظم أنواع السحر وأخطرها، حيث يتقرب الساحر إلى الشياطين بالعبادات والذبائح والكلمات الشركية، مقابل أن تخدمه الشياطين في إيذاء الناس. هذا النوع يُخرج صاحبه من الملة، لأنه يتضمن صرف العبادة لغير الله
2. سحر التأثير الجسدي
ويشمل:
· السحر المأكول أو المشروب: حيث يُوضع السحر في طعام أو شراب الشخص، فيصل إلى جسده
· السحر المرشوش: الذي يُرشّ في طريق الشخص أو على ملابسه أو في بيته
· السحر المدفون : الذي يُوضع في مكان يمرّ به الشخص، كعتبة الباب أو تحت الأرض
· السحر المعقود : الذي يُعقد فيه على خيوط أو مسامير ويُخبأ
. سحر الجنون : و هو تسليط شيطان للدخول في بدن الشخص ، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا النوع في قوله: "إن الشيطان قد دخل في جسدك" — كما في قصة الطفل الذي أخرجه النبي ﷺ بكلماته عندما قال للشيطان : أخرج يا عدو الله .... أنا رسول الله
3. سحر التخييل
وهو الذي يُظهر للإنسان أشياء لا حقيقة لها في الواقع، فيرى ما لا وجود له، أو يرى الشيء بغير صورته الحقيقية. وهذا هو النوع الذي ذكره الله في قصة سحرة فرعون: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ (طه: 66). فالسحر لم يغيّر حقيقة الحبال والعصي، وإنما غيّر إدراك الناظرين
4. سحر المحبة والصرف
وهو الذي يُستخدم لجعل شخص يحب شخصاً آخر بغير إرادته، أو لصرف قلبه عن شيء. وهذا النوع يمسّ الإرادة والمشاعر، وقد يكون من أخطر الأنواع لأنه يفسد العلاقات الأسرية ويهدم البيوت
ثالثاً : الأدلة الشرعية على حقيقة السحر
السحر ليس محلّ خلاف بين أهل العلم في وجوده، بل هو ثابت بالقرآن والسنة والإجماع ومن أبرز الأدلة :
من القرآن الكريم
1. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (البقرة: 102). فهذه الآية تُثبت أن السحر موجود، وأن الشياطين هم الذين يعلّمونه، وأن تعليمه مقرون بالكفر
2. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (البقرة: 102). فالملكان يحذران من السحر قبل تعليمه، مما يدل على أنه أمر حقيقي خطير
3. سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. فالله يأمر بالاستعاذة من "النفاثات في العقد" — وهنّ السواحر والسحرة الذين ينفثون في العقد لإحداث السحر
4. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة: 102). أي أن من يشتري السحر لا نصيب له في الآخرة
من السنة النبوية
1. حديث "السبع الموبقات": قال ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (رواه البخاري ومسلم) فقد قرن النبي ﷺ السحر بالشرك بالله مباشرة، وهذا يدل على عظم خطره
2. حديث سحر النبي ﷺ: ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ سُحِر، وأن السحر وُضع في بئر ذروان، واستُخدمت فيه أغراض شخصية: مشط، وشعر من رأسه، وجف طلع نخل. وقد كان تأثيره أنه ﷺ يُخيَّل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، ثم شفاه الله بالمعوذتين و الرقبة الشرعية الصحيحة عن طريق الملك جبريل عليه السلام
3. حديث "اخرج عدو الله": روى الإمام أحمد وغيره من حديث يعلى بن مرة أن امرأة جاءت بابنها إلى النبي ﷺ، وكان به لمم (مسّ من الجن)، فقال النبي ﷺ: "اخرج عدو الله، أنا رسول الله"، فبرأ الطفل. وهذا الحديث له طرق متعددة تقوي بعضها بعضاً، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"
رابعاً : الشياطين — كائنات حقيقية ذات تأثير مادي
من أهم ما ينبغي تأكيده في هذا الباب أن الشياطين ليست مجرد فكرة شر مجردة، بل هي كائنات حقيقية خلقها الله من نار، لها وجود فعلي وقدرة على التأثير في عالم البشر
الأدلة على تأثير الشياطين المادي
1. الاستعاذة من الهمز والنفخ والنفث: كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من "الهمز والنفخ والنفث"
· الهمز: فُسّر بأنه الجنون والصرع، أي تأثير مباشر على العقل والجسد.ط
· النفخ: فُسّر بأنه الكِبر والعُجب، أي تأثير على النفس والسلوك.ط
· النفث: فُسّر بأنه الشعر المذموم أو السحر، أي تأثير على اللسان والأفعال
2. قصة الطفل: كما ذكرنا، النبي ﷺ قال للشيطان: "اخرج عدو الله"، فخرج. وهذا يدل على أن الشيطان يدخل الجسد ويؤثر فيه، وأن النبي ﷺ أخرجه بسلطانه الرسالي
3. القرآن يصف الشيطان بأنه "يجري من ابن آدم مجرى الدم" كما في حديث الصوم ،"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (رواه البخاري ومسلم) وهذا يدل على قدرته على التغلغل في الجسد
خامساً : حكم السحر في الإسلام — كفر صريح ومن أعظم الكبائر
السحر ليس مجرد ذنب عادي، بل هو كفر صريح ومن أعظم الكبائر وأبشعها ، وقد دل على ذلك القرآن والسنة والإجماع :
الأدلة على كفره
1. القرآن : قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ فربط الكفر بتعليم السحر
2. السنة : عُدّ السحر من السبع الموبقات، مقروناً بالشرك بالله
3. الإجماع : أجمع العلماء على أن الساحر كافر إذا اعتقد أن السحر مؤثر بذاته، أو استعان بالشياطين، أو استحلّه
لماذا هو من أعظم الكبائر؟
1. شرك بالله : لأنه يتقرب إلى الشياطين من دون الله، وهذا هو جوهر الشرك
2. إيذاء الخلق : تفريق الأزواج، الإفساد، الإمراض، القتل.ط
3. ادعاء علم الغيب : كثير من السحرة يدّعون ما لا يعلمه إلا الله
4. الفساد في الأرض : فتح باب الظلم والعدوان
تنبيه مهم
· المسحور ضحية لا يُلام، بل يُشرع له الرقية والعلاج
· من يذهب إلى الساحر ليحل له السحر أو يكشفه، فقد وقع في كبيرة عظيمة حيث قال ﷺ: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة" (رواه مسلم) وقال: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ" (رواه أحمد)
سادساً : المفارقة الكبرى — السحر حقيقي، لكن الله أعظم
هنا تكمن النقطة الجوهرية التي ينبغي أن تستقر في قلب كل مؤمن ، حقيقة السحر لا تتعارض مع التوكل على الله، بل تؤكده
· قال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 102). فالسحر لا يتجاوز إذن الله أبداً
· السحر كالسم أو المرض: موجود، لكنه محدود بمشيئة الله،
قال ابن القيم: "المسحور غالباً ما يُعين السحر على نفسه، لأن قلبه يتعلق بالشيء، فيُستغل ضعفه"
فالمؤمن لا ينكر الخطر، ولا يخافه — بل يتوكل على الله، ويحصّن نفسه بالمعوذتين وآية الكرسي وأذكار الصباح والمساء
أظن أن هناك انحرافين يجب تجنبهما في هذا الباب :
الانحراف الأول : الغرق في هاجس السحر. فتجد من يفسّر كل ضائقة في حياته بأنها "سحر"، ويذهب إلى المشعوذين، ويصرف الأموال، ويعيش في قلق دائم. وهذا بحد ذاته مرض نفسي يفتح أبواباً للاستغلال، ويُضعف التوكل على الله
الانحراف الثاني : إنكار حقيقة السحر. تحت ذريعة "العلم" أو "الحداثة"، وهذا إنكار لنصوص قطعية من القرآن والسنة، وهو خطر لأنه يُفقِد الإنسان سلاح التحصين
الموقف الصحيح هو الإيمان الجازم بوجود السحر والشياطين، مع الثقة المطلقة بأن الله هو الحافظ والكافي
المؤمن القوي ليس من ينكر الخطر، بل من يعرف الخطر ويقف في وجهه بسلاح الإيمان و العمل بالاسباب مثل الرقية الشرعية وهذا هو التوازن الذي أراده الإسلام ، لا إنكار، ولا خوف — بل إيمان وتوكل على الله
خاتمة
السحر حقيقة ثابتة بالقرآن والسنة، والشياطين كائنات حقيقية لها تأثير فعلي على الإنسان، والنبي ﷺ سُحِر وأُخرج الشيطان من جسد الطفل بكلماته ، لكن كل هذا لا ينبغي أن يزرع في القلب خوفاً، بل يقيناً بأن الله وحده هو الشافي
من عرف أن السحر لا يعمل إلا بإذن الله، عرف أن الطريق الوحيد للأمان هو التقرب إلى الله، لا البحث عن المشعوذين ولا الإنكار المضلل
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ — هذا هو جواب المؤمن. حصن نفسك، وأكثر من ذكر الله، وتوكل عليه، ولا تخف إلا منه ، فمن كان الله معه، فمن عليه؟
إقرأ أيضا : الطريقة الصحيحة للعلاج من جميع أنواع الأسحار
المراجع والمصادر
1. القرآن الكريم (سورة البقرة: 102، سورة الفلق، سورة الناس، سورة طه: 66، سورة النساء: 51)
2. صحيح البخاري، كتاب الطب، حديث رقم 5763 (سحر النبي ﷺ)، وكتاب الأدب
3. صحيح مسلم، كتاب السلام، حديث رقم 2189 (سحر النبي ﷺ)، وحديث "من أتى عرافاً"
4. صحيح البخاري ومسلم، حديث "اجتنبوا السبع الموبقات".
5. مسند أحمد، حديث يعلى بن مرة (قصة الطفل: "اخرج عدو الله")
6. سنن أبي داود، كتاب الطب (الاستعاذة من الهمز والنفخ والنفث)
7. ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، فصل "هديه ﷺ في علاج السحر"
8. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الطب
9. ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل، باب "حكم السحر والساحر"
10. ابن باز، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، فتوى "تغليظ تحريم السحر"
11. الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث "اخرج عدو الله أنا رسول الله"
12. موقع الإسلام سؤال وجواب، فتوى "معنى السحر وحكمه وحكم فاعله"
13. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة البقرة 102
14. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير آيات السحر
Tags:
دين
