الذكاء الاصطناعي والروبوتات.... ماذا سيعمل البشر إذا أصبحت الآلات قادرة على القيام بمعظم الوظائف؟
ماذا سيحدث عندما يندمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات؟ هل تختفي الوظائف ويصبح البشر بلا عمل؟ تعرف على مستقبل العمل، الروبوتات، الاقتصاد و الدخل الأساسي
مقدمة
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أكثر التطورات التكنولوجية تأثيرًا في العالم ، فقد انتقل من كونه تقنية متخصصة تستخدم في المختبرات والشركات الكبرى إلى أداة يستطيع ملايين الأشخاص استخدامها يوميًا في الكتابة، البرمجة، الترجمة، تحليل البيانات، إنشاء الصور والفيديو، البحث والتعلم
لكن التطور الأكثر إثارة للجدل قد لا يكون الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما اندماج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات
فالذكاء الاصطناعي يستطيع التفكير والتحليل وفهم اللغة والصور واتخاذ القرارات، بينما يستطيع الروبوت التحرك والإمساك بالأشياء والتفاعل مع البيئة المحيطة به وعندما تجتمع القدرتان، نحصل على آلات يمكنها ليس فقط تنفيذ تعليمات محددة، بل فهم المهام والتكيف مع الظروف المختلفة ومحاولة إنجاز الأعمال بشكل أكثر استقلالية
وهنا يظهر سؤال كبير قد يصبح من أهم الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية في العقود القادمة :
إذا أصبحت الروبوتات والذكاء الاصطناعي قادرين على القيام بجزء كبير من الأعمال التي يقوم بها البشر اليوم، فماذا سيعمل الإنسان في المستقبل؟
هذا السؤال ليس خيالًا علميًا بالكامل ، فالروبوتات الصناعية موجودة بالفعل بأعداد ضخمة، والذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر في مجموعة واسعة من المهن ، ووفق بيانات الاتحاد الدولي للروبوتات، تم تركيب حوالي 542 ألف روبوت صناعي جديد حول العالم خلال عام 2024، بينما تجاوز عدد الروبوتات الصناعية العاملة بالفعل 4.66 ملايين وحدة
إذن نحن لا نتحدث عن تكنولوجيا ستظهر بعد خمسين عامًا، بل عن تحول بدأ بالفعل
أولًا : ماذا يعني دمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات؟
يمكن تبسيط الفكرة بالقول إن الروبوت التقليدي يشبه آلة متخصصة، بينما الذكاء الاصطناعي يمثل طبقة من الإدراك والتحليل واتخاذ القرار
في مصنع تقليدي، يمكن برمجة روبوت للقيام بحركة معينة آلاف المرات. لكنه لا يمتلك بالضرورة فهمًا عامًا لما يحدث حوله
أما الروبوت المدعوم بالذكاء الاصطناعي فيمكن أن يمتلك قدرات أكثر تطورًا، مثل التعرف على الأشياء باستخدام الكاميرات، فهم الأوامر الصوتية، التخطيط للمهام، اكتشاف الأخطاء، والتكيف مع بعض التغييرات في البيئة
وهذا التطور يمكن أن يجعل الروبوتات أكثر مرونة بكثير
تخيل مثلًا عاملًا في مستودع يحصل على صندوق ويطلب من الروبوت:
"ضع هذا الصندوق في المكان المخصص للمنتجات الغذائية"
بدل أن يحتاج الروبوت إلى برنامج منفصل لكل حركة، يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي أن يفهم الأمر، يتعرف على الصندوق، يبحث عن المكان المناسب، ثم يخطط لمساره وينفذ المهمة
وإذا أصبحت هذه القدرات أكثر تقدمًا، فإن الروبوتات لن تكون مقتصرة على المصانع، بل يمكن أن تنتقل تدريجيًا إلى المستودعات والمزارع والمطاعم والمستشفيات والفنادق وحتى المنازل
ثانيًا : الروبوتات بدأت بالفعل في دخول سوق العمل
قد يعتقد البعض أن الحديث عن الروبوتات التي تعمل بدل البشر ينتمي إلى المستقبل البعيد، لكن الأرقام الحالية تقول شيئًا مختلفًا
بحسب الاتحاد الدولي للروبوتات، تم تركيب 542,076 روبوتًا صناعيًا في عام 2024، وهو أكثر من ضعف الرقم المسجل قبل عشر سنوات تقريبًا. كما بلغ المخزون العالمي من الروبوتات الصناعية العاملة حوالي 4,663,698 روبوتًا في نهاية 2024، بزيادة قدرها 9% تقريبًا عن العام السابق
وتستحوذ آسيا على النصيب الأكبر من عمليات تركيب الروبوتات الجديدة، حيث استحوذت على حوالي 74% من عمليات التركيب الجديدة في 2024
أما الصين، فأصبحت أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم، إذ تم تركيب حوالي 295 ألف روبوت صناعي فيها خلال 2024، أي حوالي 54% من إجمالي التركيبات العالمية في ذلك العام، كما تجاوز عدد الروبوتات الصناعية العاملة في الصين مليوني روبوت
هذه الأرقام مهمة جدًا لأنها تظهر أن الشركات لا تنتظر المستقبل حتى تبدأ في استبدال بعض المهام البشرية بالآلات
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة :
وجود الروبوت لا يعني بالضرورة اختفاء الوظيفة بالكامل ،
حيث في كثير من الحالات، يقوم الروبوت بأجزاء من العمل بينما يستمر الإنسان في أداء الأجزاء الأخرى
وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم جدًا: تحويل الوظائف بدلًا من إلغائها بالكامل
ثالثًا : هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء الوظائف؟
الإجابة ليست ببساطة "نعم" أو "لا"
منظمة العمل الدولية تشير في تحديثها لعام 2025 إلى أن حوالي واحد من كل أربعة عمال حول العالم يعمل في مهنة لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن معظم الوظائف المعرضة للتأثير من المرجح أن تتغير وتتطور بدل أن تختفي بالكامل، بسبب استمرار الحاجة إلى المدخلات البشرية وهذه نقطة شديدة الأهمية
فالتكنولوجيا عادة لا تستبدل الإنسان بطريقة بسيطة ومباشرة، وإنما تستبدل مهام معينة داخل الوظيفة
المحاسب، على سبيل المثال، يمكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف العمليات الحسابية بسرعة كبيرة، لكنه قد يظل مسؤولًا عن تفسير النتائج والتواصل مع الإدارة واتخاذ بعض القرارات
والصحفي يمكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث الأولي وتلخيص البيانات، لكنه قد يظل مسؤولًا عن التحقيق والتأكد من المعلومات والتحليل
والمبرمج يمكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة أجزاء من الكود، لكنه سيظل بحاجة إلى فهم النظام واختبار النتائج ومعالجة المشكلات
إذن قد لا يكون المستقبل بالضرورة:
الإنسان ضد الروبوت
بل قد يكون :
الإنسان + الذكاء الاصطناعي + الروبوت
رابعًا : ماذا سيحدث لو أصبحت الروبوتات قادرة على القيام بالأعمال اليدوية؟
هنا تصبح المسألة أكثر إثارة ، فالذكاء الاصطناعي يؤثر بشكل كبير في الأعمال المعرفية، بينما يمكن للروبوتات أن تؤثر في الأعمال الجسدية ،
إذا أصبحت الروبوتات قادرة على العمل بكفاءة عالية في المصانع والمستودعات والمزارع والمطاعم والخدمات اللوجستية، فقد تنخفض الحاجة إلى أعداد كبيرة من العمال في بعض القطاعات
تخيل مصنعًا كان يحتاج إلى 1,000 عامل لإنتاج عدد معين من السيارات
إذا تمكنت الروبوتات والأنظمة الذكية من القيام بمعظم مراحل الإنتاج، فقد يحتاج المصنع مستقبلًا إلى عدد أقل بكثير من الموظفين، مثل المهندسين والتقنيين والمبرمجين والمشرفين
هذا لا يعني أن المصنع أصبح بلا بشر ، لكنه يعني أن إنتاجية العامل الواحد أصبحت أعلى بكثير بسبب الآلات ، وهذه الظاهرة قد تؤدي إلى انخفاض تكلفة بعض المنتجات وارتفاع الإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه تخلق مشكلة اجتماعية إذا لم يجد الأشخاص الذين اختفت وظائفهم مصادر جديدة للدخل
خامسًا : إذا عملت الروبوتات، فماذا سيعمل الإنسان؟
هذا هو السؤال الأهم
إذا أصبحت الروبوتات قادرة على العمل في المصانع والمستودعات والمزارع وبعض الخدمات، فمن الطبيعي أن نبحث عن المجالات التي سيظل فيها الإنسان أكثر أهمية
هناك عدة مجالات يمكن أن تستمر فيها الحاجة إلى البشر :
1. الإبداع
الإبداع البشري قد يظل من أهم المجالات ، الفن، الأدب، تصميم الأفكار الجديدة، ابتكار المنتجات، صناعة المحتوى، كتابة القصص، الموسيقى وغيرها يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي، لكن الإنسان سيظل قادرًا على تحديد الرؤية والمعنى والهدف
2. البحث العلمي
حتى لو تمكن الذكاء الاصطناعي من تحليل كميات ضخمة من البيانات، سيظل البشر بحاجة إلى تحديد الأسئلة العلمية المهمة وتحديد الأولويات ومناقشة النتائج وربط المعرفة بمشكلات العالم الحقيقي
3. إدارة الأنظمة الذكية
إذا أصبحت الشركات تعتمد على آلاف الروبوتات والأنظمة الذكية، فستحتاج إلى أشخاص يديرون هذه المنظومات ويضعون أهدافها ويراقبون أدائها ويتدخلون عند حدوث مشكلات
4. العلاقات الإنسانية
هناك وظائف يكون فيها الجانب الإنساني مهمًا جدًا كرعاية الأطفال، الدعم الاجتماعي، بعض أشكال التعليم، العلاج، الاستشارات، العلاقات العامة، القيادة، التفاوض وغيرها تعتمد على الثقة والتواصل والتعاطف
قد يستطيع الروبوت مساعدة المسن في الحركة أو تذكيره بالأدوية أو التواصل معه، لكن وجود إنسان بجانبه سيظل ذا قيمة كبيرة
5. المهن الجديدة
وهذه نقطة غالبًا ما يتم تجاهلها ، عندما تظهر تقنية جديدة، تظهر معها وظائف لم تكن موجودة سابقًا
قبل الإنترنت لم تكن هناك مهن مثل مدير وسائل التواصل الاجتماعي أو مطور تطبيقات الهواتف أو متخصص تحسين محركات البحث بالشكل المعروف اليوم
وبالمثل، قد تظهر مستقبلًا وظائف لا نستطيع حتى تسميتها الآن، مرتبطة بإدارة الروبوتات والذكاء الاصطناعي والبيانات والأنظمة المستقلة
سادسًا : هل يمكن أن تؤدي الروبوتات إلى بطالة جماعية؟
هذا احتمال يجب أخذه بجدية، لكنه ليس نتيجة حتمية
تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع أنه بحلول عام 2030 قد يتم إنشاء حوالي 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا، في مقابل إزاحة حوالي 92 مليون وظيفة نتيجة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وغيرها، ما يعني صافي زيادة قدرها حوالي 78 مليون وظيفة
هذه الأرقام لا تعني أن كل شخص سيفقد وظيفته ثم يحصل تلقائيًا على وظيفة جديدة و هنا تكمن المشكلة
يمكن للاقتصاد العالمي أن يخلق وظائف جديدة، لكن الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم قد لا يمتلكون المهارات المطلوبة لهذه الوظائف
عامل في مصنع قد لا يستطيع الانتقال مباشرة إلى هندسة الروبوتات
وموظف إداري قد لا يستطيع في يوم واحد أن يصبح متخصصًا في الذكاء الاصطناعي
ولهذا ستكون إعادة التدريب والتعليم المستمر من أهم القضايا في الاقتصاد المستقبلي
سابعًا : ماذا سيحدث لعدد ساعات العمل؟
هناك سيناريو متفائل جدًا ، فبدل أن تؤدي الروبوتات إلى بطالة جماعية، يمكن أن تساعد البشر على العمل لساعات أقل
إذا أصبح العامل قادرًا على إنتاج ما كان ينتجه سابقًا خلال 40 ساعة في 20 ساعة فقط، فلماذا لا يتم تقليل أسبوع العمل؟
يمكن أن يصبح المستقبل مثلًا :
20 ساعة عمل أسبوعيًا بدل 40 ساعة
أو أربعة أيام عمل بدل خمسة
أو حتى فترات عمل مرنة جدًا
وهذا يمكن أن يجعل التكنولوجيا أداة لتحسين حياة الإنسان بدل أن تكون وسيلة لإقصائه
لكن تحقيق هذا السيناريو يحتاج إلى قرارات اقتصادية وسياسية، لأن زيادة الإنتاجية لا تعني تلقائيًا أن ثمارها ستتوزع بالتساوي
ثامنًا : المشكلة الأكبر قد تكون ملكية الروبوتات
أعتقد أن هذه من أخطر النقاط في الموضوع بأكمله
تخيل اقتصادًا مستقبليًا تمتلك فيه شركة واحدة آلاف الروبوتات القادرة على الإنتاج على مدار الساعة
الروبوت لا يطلب راتبًا، ولا يحتاج إلى إجازة، ولا ينام، ويمكن تشغيله لساعات طويلة جدًا مع تكاليف تشغيل محدودة مقارنة بالعمل البشري في بعض التطبيقات حيث إذا كانت ملكية هذه الروبوتات مركزة في يد عدد صغير من الشركات أو المستثمرين، فقد تصبح الثروة أكثر تركيزًا
وهنا يصبح السؤال :
هل المشكلة أن الروبوتات ستعمل بدل البشر؟
أم أن المشكلة الحقيقية هي:
من يمتلك الروبوتات ومن يحصل على الأرباح الناتجة عن عملها؟
قد تصبح ملكية رأس المال والآلات والبيانات والأنظمة الذكية أكثر أهمية من امتلاك وظيفة تقليدية ، وهذا يمكن أن يؤدي إلى فجوة اقتصادية كبيرة إذا لم يتم وضع سياسات مناسبة
تاسعًا : هل يمكن أن يظهر الدخل الأساسي الشامل؟
من الأفكار التي يتم طرحها لمواجهة مستقبل قد تقل فيه الوظائف التقليدية فكرة الدخل الأساسي الشامل
الفكرة ببساطة هي أن يحصل كل فرد على مبلغ مالي دوري يضمن له حدًا أدنى من الدخل، سواء كان يعمل أم لا
في مجتمع شديد الأتمتة، يمكن أن يتم تمويل هذا النظام من الضرائب المختلفة أو من جزء من الأرباح التي تنتجها الشركات شديدة الاعتماد على الأتمتة ، لكن هذه الفكرة تواجه أسئلة صعبة :
كم يجب أن يكون الدخل؟
من سيدفعه؟
هل يمكن للدولة تمويله؟
هل سيؤدي إلى التضخم؟
هل سيقلل من رغبة بعض الناس في العمل؟
وهل يمكن تطبيقه في الدول الفقيرة والنامية بنفس الطريقة التي يمكن تطبيقه بها في الدول الغنية؟
لا توجد إجابة واحدة تناسب جميع الدول
عاشرًا : ماذا عن كبار السن والمستشفيات والمنازل؟
قد يكون قطاع الرعاية الصحية ورعاية كبار السن من أكثر المجالات التي تستفيد من الروبوتات ، فمع ارتفاع عدد كبار السن في العديد من المجتمعات، تزداد الحاجة إلى خدمات الرعاية حيث يمكن للروبوتات المستقبلية أن تساعد في نقل الأشياء، متابعة بعض المهام اليومية، تقديم التذكيرات، المساعدة في الحركة، نقل المعدات في المستشفيات، أو تنفيذ الأعمال المتكررة
والاتحاد الدولي للروبوتات أشار بالفعل إلى أن ارتفاع أعداد كبار السن يمثل أحد العوامل التي تدفع الطلب على الروبوتات الطبية، كما بلغت مبيعات روبوتات الخدمة المهنية قرابة 200 ألف وحدة في 2024 بزيادة تقارب 9%
لكن وجود الروبوت لا يعني أن الإنسان أصبح غير ضروري ؟
على العكس، قد يصبح العامل البشري أكثر تركيزًا على الجانب الإنساني من الرعاية، بينما تقوم الآلات بالأعمال الجسدية والمتكررة
الحادي عشر : هل سيصبح التعليم مختلفًا؟
بالتأكيد
إذا تغير سوق العمل بسرعة، فلن يكون من المنطقي أن يتعلم الطالب مجموعة محددة من المهارات في سن العشرين ثم يستخدمها طوال حياته المهنية دون تحديثها
قد يصبح التعلم المستمر ضرورة
وسيحتاج الإنسان إلى تعلم كيفية التعاون مع الذكاء الاصطناعي، استخدام الأدوات الرقمية، تحليل المعلومات، حل المشكلات، التفكير النقدي، التواصل والإبداع
وهذا يتوافق مع اتجاهات سوق العمل التي يشير إليها المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث يتوقع استمرار ارتفاع أهمية المهارات التقنية إلى جانب المهارات البشرية مثل التفكير والتعاون
الثاني عشر : هل ستصبح الروبوتات أفضل من البشر في كل شيء؟
من الخطأ افتراض ذلك ، فالروبوتات قد تكون ممتازة في مهام معينة، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع العالم الحقيقي
المصنع بيئة منظمة ، لكن المنزل مختلف
قد يكون على الروبوت التعامل مع طفل، حيوان، شخص مسن، قطعة أثاث تغير مكانها، أرضية مبللة، جسم غير مألوف، أو موقف لم يره من قبل ، لهذا فإن بناء روبوت يستطيع القيام بمهمة محددة أسهل بكثير من بناء روبوت يستطيع القيام بمئات المهام المختلفة في بيئات غير متوقعة
وهذا أحد الأسباب التي تجعل بعض التصورات المتطرفة عن "اختفاء جميع الوظائف خلال سنوات قليلة" مبالغًا فيها
الثالث عشر : هل يمكن أن تفقد الروبوتات السيطرة؟
هذا هو الجانب الذي يثير مخاوف الكثير من الناس
إذا أصبحت الروبوتات أكثر استقلالية، وأصبحت قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها في العالم الحقيقي، فإن مسألة السلامة ستصبح مهمة جدًا ، لكن الخطر لا يحتاج إلى أن يكون على شكل روبوت "يكره البشر"
الخطر الأكثر واقعية يمكن أن يكون نظامًا لديه هدف معين لكنه ينفذه بطريقة غير متوقعة ، كما يمكن أن يكون الخطر ناتجًا عن استخدام البشر لهذه التكنولوجيا في أغراض سيئة
ولهذا ستصبح قضايا مثل الرقابة البشرية، أنظمة الإيقاف الطارئ، الأمن السيبراني، اختبار الأنظمة، تحديد الصلاحيات والمسؤولية القانونية من أهم عناصر تطوير الروبوتات المستقبلية
الرابع عشر : ماذا سيحدث للدول الفقيرة والنامية؟
قد يكون هذا السؤال أكثر أهمية بالنسبة للعالم العربي وإفريقيا ، إذا أصبحت الشركات في الدول المتقدمة قادرة على إنتاج السلع باستخدام عدد قليل من العمال والآلاف من الروبوتات، فقد تتغير ميزة العمالة الرخيصة التي تعتمد عليها بعض الدول النامية
فإذا كان المصنع يستطيع العمل في بلد قريب من سوق الاستهلاك بتكاليف آلية منخفضة، فقد تقل أهمية نقل الإنتاج إلى دول بعيدة فقط بسبب انخفاض أجور العمال ، وهذا قد يؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
لكن هناك جانبًا إيجابيًا أيضًا
الدول النامية التي تستثمر مبكرًا في التعليم الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، البنية التحتية والروبوتات يمكن أن تستفيد من هذه الثورة بدل أن تتضرر منها
في رأيي، لا أعتقد أن البشرية ستصل قريبًا إلى مرحلة لا يعمل فيها أي إنسان ، وأيضًا لا أعتقد أن كل الوظائف ستختفي ، لكنني أعتقد أن طبيعة العمل ستتغير بشكل كبير جدًا حيث الوظائف التي تعتمد على التكرار والقواعد الثابتة ستكون أكثر عرضة للأتمتة
وفي المقابل، ستزداد قيمة المهارات التي يصعب تحويلها إلى تعليمات آلية بسيطة، مثل الإبداع، التفكير النقدي، القيادة، التواصل، المسؤولية، حل المشكلات المعقدة والقدرة على التعامل مع المواقف غير المتوقعة ، لكنني أعتقد أن التحدي الأكبر لن يكون تقنيًا فقط ، بل سيكون اقتصاديًا واجتماعيًا
إذا أنتجت الروبوتات ثروة هائلة ولكن تركزت ملكيتها في يد عدد صغير جدًا من الأشخاص، فقد تصبح التكنولوجيا مصدرًا لزيادة عدم المساواة ، أما إذا تم توزيع فوائد الإنتاجية بطريقة عادلة، فقد تكون الروبوتات واحدة من أعظم الاختراعات في تاريخ البشرية
تخيل عالمًا لا يضطر فيه الإنسان إلى العمل 40 أو 50 ساعة أسبوعيًا من أجل تأمين أساسيات الحياة
تخيل أن الروبوت يقوم بالأعمال الشاقة والخطرة، وأن الإنسان لديه المزيد من الوقت لعائلته وصحته وتعليمه وإبداعه
هذا في رأيي هو السيناريو الذي يجب أن تسعى إليه البشرية
المشكلة ليست في أن الروبوت يعمل ، المشكلة في كيف نوزع ثمار عمله
هل ستصبح الوظيفة شيئًا اختياريًا في المستقبل؟
من الصعب جدًا الجزم بذلك ، لكن إذا وصلت الأتمتة يومًا ما إلى مستوى تستطيع فيه الآلات إنتاج كميات ضخمة من السلع والخدمات بتكلفة منخفضة جدًا، فقد يتغير مفهوم العمل نفسه
اليوم، نعمل لأننا نحتاج إلى المال
لكن إذا أصبح الإنتاج الآلي قادرًا على توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع، فقد يصبح العمل بالنسبة لبعض الناس وسيلة لتحقيق الطموح، الإبداع، المكانة الاجتماعية أو المشاركة في المجتمع، وليس فقط وسيلة للبقاء
قد يصبح السؤال :
"ماذا تعمل؟"
أقل أهمية من السؤال:
"ماذا تريد أن تحقق في حياتك؟"
لكن الوصول إلى هذا العالم يحتاج إلى إدارة حكيمة للتحول التكنولوجي، وليس مجرد اختراع روبوتات أكثر ذكاءً
خاتمة
إن اندماج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات يمثل واحدًا من أكثر التحولات التكنولوجية أهمية في تاريخ البشرية
الروبوتات الصناعية موجودة بالفعل بالملايين، والذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، والحد الفاصل بين الآلة التي تنفذ التعليمات والآلة التي تستطيع فهم المهمة والتخطيط لتنفيذها بدأ يتغير
تشير البيانات الحالية إلى أن الأتمتة لن تعني بالضرورة اختفاء جميع الوظائف. فالمنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع إنشاء 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليون وظيفة بحلول 2030، بينما ترى منظمة العمل الدولية أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي التوليدي سيكون في تحويل الكثير من الوظائف وليس إلغاءها بالكامل
لكن هذا لا يعني أن المستقبل سيكون سهلًا
قد تختفي بعض المهن، وقد تضطر ملايين الأشخاص إلى تعلم مهارات جديدة، وقد تظهر مهن لم تكن موجودة من قبل
وربما يكون السؤال الأكبر الذي يجب أن تستعد له الحكومات والشركات والمجتمعات ليس :
"هل ستأخذ الروبوتات وظائفنا؟"
بل
"كيف سنعيد توزيع العمل والدخل والثروة عندما تصبح الآلات قادرة على إنتاج المزيد بجهد بشري أقل؟"
إذا نجحت البشرية في الإجابة عن هذا السؤال، فقد تكون الروبوتات والذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لتحسين حياة الإنسان ، أما إذا فشلت في ذلك، فقد تتحول الثورة التكنولوجية من وسيلة لتحرير الإنسان من الأعمال الشاقة إلى مصدر جديد لعدم المساواة والبطالة والصراع الاجتماعي
وفي النهاية، الروبوت ليس هو من يقرر شكل المستقبل
نحن البشر من نقرر كيف سنستخدمه، ومن سيملك هذه التكنولوجيا، ومن سيستفيد من ثمارها
المصادر والمراجع
1. World Economic Forum – Future of Jobs Report 2025: تقرير حول مستقبل الوظائف والمهارات والتحولات التي يمكن أن يشهدها سوق العمل حتى عام 2030
2. International Labour Organization – Generative AI and Jobs: A 2025 Update: دراسة حول تعرض الوظائف للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتشير إلى أن نحو واحد من كل أربعة عمال عالميًا يعمل في مهنة لديها درجة من التعرض لهذه التكنولوجيا
3. International Federation of Robotics – World Robotics 2025: بيانات حول الروبوتات الصناعية، بما في ذلك تركيب أكثر من 542 ألف روبوت صناعي خلال عام 2024 ووصول المخزون العالمي إلى نحو 4.66 ملايين روبوت عامل
4. International Federation of Robotics – Global Robot Demand: بيانات حول نمو استخدام الروبوتات عالميًا، وتصدر الصين لسوق الروبوتات الصناعية
5. International Labour Organization – Generative AI and Jobs: Refined Global Index: بحث متخصص في قياس تعرض المهن والمهام المختلفة للذكاء الاصطناعي التوليدي
Tags:
مجتمع
