كيف تطورت الصين بعد الزيارة الشهيرة للرئيس نيكسون



 زيارة نيكسون للصين 1972.... كيف صنعت أمريكا منافسها الاقتصادي الأول؟

مقدمة

في الحادي والعشرين من فبراير لعام 1972، هبطت الطائرة الرئاسية الأمريكية "سبيس أوف 76" في مطار بكين، ليترجل منها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مصافحاً رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي

 كانت تلك اللحظة تجسيداً لما وصفه نيكسون نفسه بـ "الأسبوع الذي غيّر العالم" ، فلم تكن الزيارة مجرد لقاء دبلوماسي عابر بين خصمين أيديولوجيين، بل كانت زلزالاً جيوستراتيجياً أعاد تشكيل موازين القوى الدولية في خضم الحرب الباردة

لكن المفارقة التاريخية الكبرى التي يتأملها المحللون اليوم تكمن في النتائج غير المقصودة لهذه الزيارة على المدى الطويل ، فالخطوة التي اتخذتها واشنطن في السبعينيات لعزل الاتحاد السوفيتي وإغلاق جبهة صراع في آسيا، أسرعت في نهاية المطاف بظهور "التنين الصيني" كقوة اقتصادية، صناعية، وتكنولوجية عظمى، باتت تُهدد الهيمنة الأمريكية وتنتزع منها صدارة المشهد العالمي في القرن الحادي والعشرين

 1. المشهد العالمي قبل 1972....العالم على شفير الهاوية

لكي نفهم الدوافع الحقيقية وراء هذا التقارب غير المتوقع، يجب أن نعود إلى بيئة الصراع القاتمة التي سادت في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات حيث كان العالم مقسماً بشكل حاد، وكانت الولايات المتحدة تعيش إحدى أصعب فتراتها الاستراتيجية والاجتماعية

 الاستنزاف الأمريكي في فيتنام

كانت الولايات المتحدة غارقة حتى أذنيها في مستنقع حرب فيتنام ، فقد كبّد هذا الصراع الخزينة الأمريكية مئات الملايين من الدولارات، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، ناهيك عن الانقسام المجتمعي الداخلي والمظاهرات العارمة التي طالبت بإنهاء الحرب

كانت واشنطن تبحث عن أي مخرج سياسي يحفظ ماء وجهها ويسمح بسحب قواتها دون أن يبدو الأمر كاستسلام كامل للشيوعية في شرق آسيا

 العزلة الصينية والتهديد السوفيتي

على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، كانت جمهورية الصين الشعبية تحت قيادة ماو تسي تونغ تعيش في عزلة دولية وخناق اقتصادي شديد جراء تداعيات سياسات "القفزة الكبرى إلى الأمام" ثم "الثورة الثقافية"، والتي تسببت في أزمات معيشية لملايين الصينيين

ولم تقتصر مشاكل بكين على الوضع الداخلي، بل تعدتها إلى خطر وجودي خارجي ، فقد حدث الشقاق الصيني-السوفيتيةالمدوّي ، حيث تحولت الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين بكين وموسكو إلى نزاع مسلّح مباشر على الحدود على طول نهر أوسوري عام 1969

 أصبحت بكين تشعر بالرعب من احتمال شن الاتحاد السوفيتي ضربة عسكرية استباقية ضدها، ربما تكون نووية ، ومن هنا وُلدت الحاجة الصينية الماسة للبحث عن حليف قوي قادر على توفير الرادع الأمني بوجه الضغط السوفيتي

 2. الهندسة السياسية....حسابات كيسنجر ونيكسون

لم يكن التقارب الأمريكي مع نظام شيوعي راديكالي نابعاً من صحوة أيديولوجية أو كرم دبلوماسي، بل كان تطبيقا حاسماً لسياسة "الواقعية السياسية" (Realpolitik) التي أدارها مهندس الخارجية الأمريكية آنذاك، مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر

انطلقت الاستراتيجية الأمريكية من ثلاث أولويات استراتيجية رئيسية :

 لعبة التوازن الثنائي وتطويق موسكو

 أرادت واشنطن استغلال الشقاق الشيوعي لصالحها، وعزل الاتحاد السوفيتي من خلال وضع الصين في كفتها حيث كان الهدف إجبار القيادة السوفيتية على الشعور بالتطويق من الشرق والغرب، مما يدفعها للتراجع والتفاوض بحسن نية في محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 1)

تسهيل الخروج من فيتنام

كانت الصين تعتبر الداعم الأساسي والتاريخي لفيتنام الشمالية بالعتاد والمؤن ، أمل نيكسون أن يضغط التقارب مع بكين على القيادة الفيتنامية للجلوس إلى طاولة المفاوضات وتسهيل اتفاقيات باريس للسلام

إعادة ترتيب ميزان القوى في المحيط الهادئ

 عبر بناء قناة تواصل مباشرة مع بكين، أمنت الولايات المتحدة منطقة شرق آسيا من خطر اندلاع مواجهة عسكرية كبرى كانت ستكلف واشنطن موارد هائلة

من جانبها، مهدت الصين لهذه الزيارة عبر ما يُعرف بـ دبلوماسية البينغ بونغ في عام 1971، عندما دعت بكين الفريق فريق الأمريكي لتنس الطاولة لزيارة البلاد، في إشارة رمزية ذكية تفتح الباب أمام الدبلوماسية السرية التي قادها كيسنجر ورحلاته التخفية إلى بكين عبر پاکستان

3. الثمن الاستراتيجي.... المكاسب التي حصدتها الصين

لم تكن بكين لتوافق على استقبال رئيس أمريكي وتغيير بوصلتها السياسية دون الحصول على ثمن باهظ غيّر مجرى تاريخها الحديث حيث حصدت الصين مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية شكّلت القواعد الأساسية لنهضتها اللاحقة

 أ. الاعتراف الدبلوماسي الشامل وقضية تايوان

وافقت واشنطن على توقيع ما عُرف بـ "بيان شانغهاي"، والذي أقرّت فيه الولايات المتحدة بمبدأ "صين واحدة"، معترفة ضمنياً بأن تايوان جزء من الصين ، ترتب عن هذا التحول المدوّي سحب الاعتراف الرسمي الأمريكي بالحكومة الموالية للغرب في تايوان، وطرد تايوان من الأمم المتحدة في أواخر عام 1971 لمنح مقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي لجمهورية الصين الشعبية في بكين

 ب. المظلة الأمنية وضمان حماية الحدود

منح التقارب مع الولايات المتحدة بكين درعاً أمنياً غير مباشر، رادعاً الاتحاد السوفيتي عن مغامرة التوسع أو شل القدرات الصينية ، هذا الشعور بالأمان سمح للقيادة الصينية بتقليص نفقاتها العسكرية المباشرة وإعادة توجيه الموارد والكوادر نحو تطوير البنية التحتية والقطاعات المدنية

 ج. كسر العزلة الدولية والانفتاح التكنولوجي

بمجرد أن فتحت واشنطن الباب، سارعت الدول الغربية الكبرى مثل اليابان، ألمانيا الغربية، وفرنسا إلى إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية واسعة مع بكين ، وفتح ذلك المجال أمام نقل التكنولوجيا الغربية، وتدرب مئات الآلاف من الطلاب والمهندسين الصينيين في أرقى الجامعات والمؤسسات الغربية

 4. الماكينة الاقتصادية الصينية.... من العزلة إلى "مصنع العالم"

شكّلت زيارة نيكسون عام 1972 الشرارة الدبلوماسية الممهدة، إلا أن الانفجار الاقتصادي الحقيقي بدأ بعد وفاة ماو تسي تونغ وتولّي القائد المجدد دينج شياوبينج زمام السلطة عام 1978

أطلق دينج سياسة "الإصلاح والانفتاح" (Reform and Opening-up)، مبتعداً بالبلاد عن التخطيط المركزي الأيديولوجي الصارم، ومتبنياً اقتصاد السوق الاجتماعي

 استغلت الصين اعتراف العالم بها وتدفق العلاقات الغربية لتطوير نموذجها الاقتصادي القائم على تصدير المنتجات وترسيم "المناطق الاقتصادية الخاصة" (Special Economic Zones) مثل شينزين

تكاملت الرغبة الجشعة للشركات الغربية والأمريكية في البحث عن أرباح أعلى وعمالة رخيصة مع الانضباط الصيني والبنية التحتية المتنامية. ونتيجة لذلك أقيمت ألاف المصانع الأمريكية والغربية على الأراضي الصينية، ونُقلت سلاسل الإمداد العالمية بالكامل إلى المدن الصينية

 قراءة في الأرقام و إحصائيات التحول الصيني :

• قفزة الناتج المحلي الإجمالي (GDP)

في عام 1970، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين لا يتعدى 99 مليار دولار، وبحلول الأعوام الأخيرة، قفز الناتج المحلي الصيني ليتجاوز حاجز 18 تريليون دولار، مقتطعة المركز الثاني عالمياً ومضيقة الفارق بشكل حثيث مع الاقتصاد الأمريكي الذي يبلغ نحو 27 تريليون دولار

• انفجار حجم التجارة الثنائية

 في عام 1972، كان حجم التبادل التجاري بين واشنطن وبكين شبه معدوم، ولا يتجاوز 100 مليون دولار سنوياً، وفي العقود الأخيرة، تجاوزت التجارة الثنائية بين البلدين حاجز 600 إلى 700 مليار دولار سنوياً، مع تسجيل عجز تجاري ضخم لصالح الصين يصل لعشرات المليارات سنوياً

• محطة الانضمام لمنظمة التجارة العالمية (WTO - 2001)

 بسبب دعم حاسم من إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، انضمت الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001 حيث أدى ذلك لإنهاء القيود والجِمارك المرتفعة على صادراتها، ليرتفع نصيب الصين من الصادرات العالمية من 4% عام 2000 إلى أكثر من 15%، متحولة رسمياً إلى "مصنع العالم"

• معجزة خفض الفقر

 استناداً لتقارير البنك الدولي، نجحت الصين خلال أربعة عقود من الانفتاح والتصنيع في انتشال أكثر من 800 مليون مواطن من خط الفقر المدقع، وهو أكبر إنجاز في تاريخ البشرية المدون لمكافحة الفقر

• الاحتياطي النقدي والتكنولوجيا

 تمتلك الصين اليوم أكبر احتياطي نقد أجنبي في العالم يزيد عن 3.2 تريليون دولار، وقادت التحول في صناعات المستقبل مثل السيارات الكهربائية، الألواح الشمسية، شبكات الاتصال (5G)، وبطاريات الليثيوم

5. هل أخطأت واشنطن؟

أعتقد أن وصم زيارة نيكسون بالـ "خطأ الاستراتيجي التاريخي" هو تقييم ينطوي على مفارقة زمنية غير دقيقة ، حيث يُحاكم الحاضر بمعايير الماضي دون مراعاة الظروف الحاكمة آنذاك

في عام 1972، كانت الولايات المتحدة تواجه خطراً سوفيتياً داكناً ومباشراً وتهديداً بانتشار الترسانة النووية وكانت حسابات نيكسون وكيسنجر ناجحة تماماً بـ "معايير عصرهم" ، فقد نجحت خطتهم في تعميق الشقاق الشيوعي، وإجبار السوفييت على التفاوض، مما أدى في النهاية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوطه في تسعينيات القرن الماضي، وهو الهدف الأول للسياسة الخارجية الأمريكية طوال عقود

لكن الخطأ الأمريكي الفادح لم يكن في زيارة 1972 نفسها، بل في"وهم النوايا الليبرالية" الذي خيّم على صُنّاع القرار في واشنطن خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات وحتى أواخر الألفية ، فقد افترضت النخب السياسية الأمريكية أن دمج الصين في المنظومة الرأسمالية العالمية وتسهيل دخولها لمنظمة التجارة سيتكفل حتماً بتحويلها إلى "ديمقراطية على النمط الغربي" مع نمو الطبقة الوسطى فيها، لكن ما حدث كان العكس تماماً

استغل الحزب الشيوعي الصيني أرباح الرأسمالية الغربية وتدفقات رؤوس الأموال والأرباح الهائلة لتحديث جيشه، وترسيخ سلطته الداخلية، والتحول من مجرد بلاد تصنّع المنتجات الرخيصة والمقلدة إلى دولة تطور تقنياتها السيادية الخاصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، لتتحول من شريك اقتصادي رخيص إلى منافس أيديولوجي وتكنولوجي مباشر للهيمنة الأمريكية

 الخاتمة

إن تجربة التقارب الأمريكي-الصيني لعام 1972 تقف كشاهد تاريخي فريد على تعقيدات السياسة الدولية ومفهوم "النتائج غير المقصودة" للأفعال الجيوسياسية حيث استخدمت أمريكا الورقة الصينية لربح الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، لكنها باستثماراتها وبترسيم النظام التجاري العالمي فتحت الباب أمام صعود أعتى منافس واجهته في تاريخها الحديث

اليوم، بينما تخوض واشنطن وبكين صراعاً محدوماً وحرباً تجارية وتكنولوجية شاملة في القرن الحادي والعشرين، تُذكرنا زيارة ريتشارد نيكسون إلى بكين بأن التحالفات السياسية في شطرنج العالم قد تمنحك نصراً تكتيكياً ومرحلياً لتجاوز أزمة اليوم، لكنها قد تزرع في الوقت نفسه بذور التحدي الأكبر لربح الغد

 المصادر والمراجع 

1. Kissinger, Henry.(2011).On China Penguin Press
2. **MacMillan, Margaret.** (2007). *Nixon and Mao: The Week That Changed the World Random House
3. **The World Bank Group.** *China Overview: Development News, Research and Data on Poverty Reduction
4. **U.S. Department of State - Office of the Historian.** *Rapprochement with China, 1919–1972 and the Shanghai Communiqué
5. **US-China Business Council (USCBC) *US-China Trade Facts and Historical Economic Indicators
6. **Deng, Xiaoping.** (1994). *Selected Works of Deng Xiaoping (1982-1992)*. Foreign Languages Press

إرسال تعليق

أحدث أقدم