هل سيسقط الدولار الأمريكي إن شاء الله ؟ وهل يشكل تحالف بريكس تهديداً حقيقياً لهيمنة واشنطن المالية؟
لماذا أصبح الحديث عن نهاية الدولار يتكرر بقوة؟
في هذا المقال سنستعرض التفاصيل الدقيقة لموضوع " هل يمكن ان يسقط الدولار مستقبلا مع ذكر الاحصائيات و الارقام و المصادر و المراجع
مقدمة
خلال السنوات الأخيرة، بات العالم يسمع بشكل متصاعد مصطلحات من قبيل: "نهاية الدولار"، و"سقوط البترودولار" و"بريكس تقود التمرد المالي العالمي" ، ومع كل أزمة جيوسياسية جديدة، أو جولة عقوبات أمريكية إضافية، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة بقوة أكبر: هل اقتربت فعلاً نهاية هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي؟
هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش اقتصادي تقني بين الأكاديميين والمحللين، بل أصبح مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بمستقبل النظام العالمي بأسره ، فالدولار ليس مجرد ورقة نقدية تُطبعها الخزانة الأمريكية، بل هو العمود الفقري للنظام المالي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وركيزة القوة الأمريكية على الصعيد الدولي
غير أن تغيرات ضخمة وهيكلية تجري اليوم بهدوء ، فتحالف بريكس يتوسع، والصين تصعد اقتصادياً بلا توقف، والعقوبات الأمريكية باتت تُستخدم سلاحاً سياسياً بشكل مكثف، فضلاً عن ظهورأنظمة دفع بديلة لنظام سويفت و تزايد استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية. كل هذا جعل كثيراً من الدول تفكر بجدية، ولأول مرة في تقليص اعتمادها على الدولار
في هذا المقال، سنحاول الإجابة على هذا السؤال الجوهري بموضوعية علمية، مستعينين بأحدث الإحصائيات والبيانات الدولية
كيف أصبح الدولار ملك الاقتصاد العالمي؟
لفهم طبيعة التهديد القائم، يجب أولاً أن نفهم جذور هيمنة الدولار وكيف ترسّخت عبر الزمن
بعد مؤتمر بريتون وودز عام 1944، الذي جمع ممثلي 44 دولة في نيوهامبشير الأمريكية، أصبح الدولار الأمريكي العملة المرجعية العالمية، إذ ربطت الاتفاقية العملات الأخرى بالدولار، وربطت الدولار بالذهب بسعر ثابت. وحين أنهى الرئيس نيكسون هذا الربط عام 1971، لم يتراجع الدولار بل عوّضت واشنطن ذلك بإبرام اتفاقيات مع المملكة العربية السعودية في منتصف السبعينيات لتسعير النفط بالدولار حصراً ، فوُلد ما بات يُعرف بـ"نظام البترودولار"
هذا النظام منح الولايات المتحدة امتيازاً استثنائياً يوصفه الاقتصاديون بـ"الامتياز المفرط"، إذ:
تمر معظم صفقات التجارة الدولية عبر الدولار
تحتفظ البنوك المركزية باحتياطيات ضخمة منه
تُباع السلع الاستراتيجية كالنفط والغاز والمعادن بالدولار
الديون السيادية الدولية مقوَّمة بالدولار
ويعتمد نظام SWIFT المالي اعتماداً كبيراً على البنية المصرفية الأمريكية
الأرقام تتكلم: أين يقف الدولار اليوم؟
وفقاً لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) حول تركيبة الاحتياطيات الرسمية العالمية (COFER):
بلغت حصة الدولار من احتياطيات البنوك المركزية العالمية 56.92% في الربع الثالث من 2025، مقارنة بأكثر من 70% مطلع الألفية الثالثة، ونحو 85% عام 1977
هذا التراجع الكبير يرصد إزاحة تدريجية لكن متسارعة. ووفق تقرير الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الصادر في يوليو 2025 حول الدور الدولي للدولار، تراجعت حصة الدولار بنحو 8.6 نقطة مئوية خلال العقد الأخير وحده (من 66% في 2015 إلى ما دون 57% اليوم)
في المقابل، شهد الذهب ارتفاعاً لافتاً في حصته من الاحتياطيات الرسمية العالمية، إذ تضاعفت أكثر من مرتين من أقل من 10% عام 2015 إلى ما يزيد على 23% اليوم
أما اليوان الصيني، رغم كل الزخم السياسي، فلا تتجاوز حصته من الاحتياطيات العالمية 1.93% في الربع الثالث من 2025، وهو رقم يكشف الهوة الشاسعة بين الطموح والواقع
ما هو تحالف بريكس؟ ولماذا يُقلق واشنطن؟
تأسس تحالف BRICS في بداياته ليضم كلاً من: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا. ثم توسع بشكل لافت ليضم في 2024: إيران، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وإثيوبيا، وإندونيسيا
ولكي ندرك حجم هذا التحالف، نستعرض هذه الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي:
يمثل تحالف بريكس 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بالقوة الشرائية التعادلية) في 2024، مقارنة بـ30% لمجموعة السبع G7
يضم التحالف 48.5% من سكان العالم
يسيطر أعضاؤه على 43.6% من إنتاج النفط العالمي، و36% من الغاز الطبيعي، و72% من المعادن النادرة في العالم
بلغ حجم التجارة البينية بين دول بريكس قرابة 700 مليار دولار في 2024، بمعدل نمو سنوي بلغ 10.7%، أي نحو ثلاثة أضعاف معدل نمو التجارة العالمية البالغ 3%
هذا الثقل الاقتصادي والجغرافي والسكاني هو ما يجعل دعوات بريكس لتقليص الاعتماد على الدولار وتطوير أنظمة دفع بديلة أكثر من مجرد شعارات سياسية
هل الدولار يفقد قوته فعلاً؟ قراءة في المؤشرات
أولاً: موجة شراء الذهب غير المسبوقة
لعل أبرز مؤشر على تراجع الثقة بالدولار هو ما تكشفه بيانات مجلس الذهب العالمي (World Gold Council):
اشترت البنوك المركزية 1,136 طناً من الذهب عام 2022 — أعلى مستوى منذ عام 1967
تكرر الأمر بـ1,051 طناً عام 2023، و1,045 طناً عام 2024، مما يعني ثلاث سنوات متتالية فوق عتبة 1,000 طن لأول مرة في التاريخ الحديث
هذا المعدل يفوق ضعف المتوسط السنوي للفترة 2010-2021 البالغ 473 طناً سنوياً
وفي استطلاع 2025، أفاد 95% من البنوك المركزية بأنها تتوقع مواصلة الزيادة في احتياطيات الذهب العالمية، فيما أعلن 43% منها نيتها الزيادة في حيازاتها الخاصة
ثانياً: الابتعاد عن الدولار في التجارة الثنائية
روسيا والصين أبرمتا صفقات نفطية ضخمة باليوان، والبرازيل والصين أجرتا معاملات بعملتيهما المحليتين، وعدد من الدول الخليجية باتت تبحث علناً في إمكانية قبول عملات بديلة ثمناً لنفطها
ثالثاً: تطوير أنظمة دفع موازية
طورت الصين نظام المدفوعات الخاص بها CIPS كبديل جزئي لنظام سويفت ، فيما يعمل تحالف بريكس على تعزيز بنك التنمية الجديد ودراسة أطر للمدفوعات متعددة العملات
العقوبات الأمريكية: السلاح الذي يُعجّل بتراجع الدولار
ثمة مفارقة لافتة: إن أحد أكبر الأسباب التي تدفع الدول للابتعاد عن الدولار هو... السياسة الأمريكية ذاتها
حين تُعزل دولة عن نظام سويفت أو تُجمَّد أصولها بالدولار — كما حدث مع روسيا بعد غزو أوكرانيا عام 2022، وكما تعيشه إيران منذ عقود — تدرك الدول الأخرى هشاشة اعتمادها على عملة يمكن أن تتحول إلى أداة عقاب سياسي. وقد رصدت بيانات OMFIF أن "تسليح الدولار" (Weaponisation of the Dollar) هو المحرك الأول للتراجع في حصته من الاحتياطيات العالمية خلال العقد الأخير
دول كالصين وروسيا والهند وحتى بعض الدول الخليجية التي تُعدّ تقليدياً حليفة لواشنطن، باتت تُنوّع احتياطياتها وتبني مسارات مالية بديلة كضمان استراتيجي لا كموقف سياسي
هل يمكن لبريكس إنشاء عملة موحدة؟
انتشرت تكهنات واسعة حول نية بريكس إطلاق عملة موحدة مدعومة بالذهب تنافس الدولار. بيد أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير
المعيق الأول: التباين السياسي والاقتصادي الداخلي. تحالف بريكس يجمع تحت سقفه واحد الهند والصين — الخصمين الإقليميين اللدودين — إلى جانب البرازيل والسعودية والإمارات وإيران. هذا التنوع يجعل التوافق على سياسة نقدية موحدة أمراً بالغ الصعوبة
المعيق الثاني: البنية التقنية والمؤسسية. إنشاء عملة موحدة يستلزم: اتحاداً مالياً متكاملاً، وسياسات نقدية موحدة، وبنكاً مركزياً ذا مصداقية، وثقة عالمية ضخمة. حتى الاتحاد الأوروبي — مع تكامله السياسي والمؤسسي العميق — احتاج لعقود لإرساء اليورو، ومع ذلك لا تتجاوز حصة اليورو في الاحتياطيات العالمية 20%
وقد أكد مسؤولون في صلب تحالف بريكس أنفسهم أنه لا يوجد مشروع عملة موحدة جاهز، وأن التركيز الراهن ينصب على تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية
لكن… هل يمكن فعلاً إسقاط الدولار؟
رغم كل هذه التطورات، يبقى الحديث عن "انهيار وشيك للدولار" مبالغة كبيرة لا تدعمها الوقائع. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك:
أكبر اقتصاد مالي في العالم بالناتج الاسمي
أسواق سندات الخزانة الأكثر سيولة في العالم
أقوى منظومة عسكرية وتكنولوجية لا منافس لها حتى الآن
شركات التكنولوجيا العملاقة (أبل، مايكروسوفت، نفيديا، أمازون...) التي تهيمن على الاقتصاد الرقمي العالمي
فضلاً عن أن نحو 99% من قيمة العملات المستقرة الرقمية (Stablecoins) مرتبطة بالدولار، مما يعني أن الثورة الرقمية المالية تجري... بالدولار أيضاً
خلاصة تحليلية : نحو نظام مالي متعدد الأقطاب
ما يجري اليوم في الاقتصاد العالمي لا يشبه "سقوط الإمبراطورية"، بل يشبه أكثر "بداية تآكل بطيء لهيمنة مطلقة" لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل
الدولار كان يمثل 85% من الاحتياطيات العالمية عام 1977، ويمثل اليوم أقل من 57%. هذا التراجع لا يعني الانهيار، لكنه يعني شيئاً مهماً: العالم لم يعد يثق بعملة واحدة بلا حدود
السؤال الحقيقي لم يعد "هل سيسقط الدولار؟" بل أصبح: "كم من الوقت يحتاج العالم للانتقال من نظام أحادي القطب
إلى نظام مالي متعدد الأقطاب؟"
المصادر والمراجع
صندوق النقد الدولي — بيانات COFER
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي — الدور الدولي للدولار 2025
مجلس الذهب العالمي — اتجاهات الطلب على الذهب
الموقع الرسمي لرئاسة بريكس البرازيلية — بيانات بريكس
OMFIF — أي العملات ستستفيد من تآكل الدولار؟
BestBrokers — تقرير احتياطيات العملات العالمية 2025
EY India — دور بريكس في السياسة الاقتصادية العالمية
إقرأ أيضا : كيف تحسب الضرائب في جميع الدول العربية ؟
Tags:
اقتصاد
