من النقاش إلى التضليل: كيف تُعيد وسائل التواصل تشكيل الرأي العام العربي؟
اكتشف في هذا المقال التفاصيل المهمة لكيفية إعادة تشكيل
وسائل التواصل الاجتماعي للرأي العام العربي مع ذكر الاحصائيات و الارقام
المقدمة : وهم الديمقراكية الرقمية
في صباح يوم عادي، يفتح الملايين من العرب تطبيقات "فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام" لتصفح آخر الأخبار والتطورات. سرعان ما يتصدر وسم معين قائمة الأكثر تداولاً، ويبدو وكأن الشارع العربي بأكمله يهتز لغضب واحد أو يؤيد رأياً واحداً. هذا المشهد أصبح مألوفاً لدرجة أن الصحفيين والمحللين بدأوا يعتبرون هذه "الاتجاهات" انعكاساً حقيقياً للرأي العام، متخذين منها مادة خام لتحليل المشهد السياسي والاجتماعي
لكن هل يعكس هذا الانفجار الرقمي حقيقة ما يدور في عقول 500 مليون عربي؟ أم أننا أمام "وهم" بَصري رقمي تخلقه آليات معقدة من الخوارزميات والحملات المنظمة؟
للإجابة عن هذا السؤال ، يتعمق هذا المقال في تحليل دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام العربي ، مستنداً إلى أحدث الإحصائيات والدراسات الأكاديمية، ليخلص إلى أن هذه المنصات لم تعد مجرد ناقل للرأي، بل أصبحت مصدراً رئيسياً لتشكيله وتوجيهه ، وأحياناً تزويره
أولاً : المشهد الرقمي العربي أرقام لا تكذب
لفهم تأثير وسائل التواصل ، يجب أولاً استيعاب حجم الانتشار الرقمي في العالم العربي. تشير دراسة حديثة حول التحول الرقمي إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية بلغ حوالي 348 مليون مستخدم ، وهو ما يمثل أكثر من 70% من إجمالي السكان البالغ عددهم 496 مليون نسمة
في الوقت نفسه ، قفز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطين إلى حوالي 228 مليون مستخدم ، أي ما نسبته 46% من إجمالي سكان المنطقة . هذا الرقم الضخم يجعل العالم العربي سوقاً رقمياً لا يمكن تجاهله، وأرضاً خصبة لتشكيل التيارات الفكرية والسياسية
تتصدر مصر قائمة الدول العربية من حيث عدد المستخدمين، حيث يتجاوز عدد النشطاء على وسائل التواصل 50.7 مليون مستخدم، تليها العراق (34.3 مليون)، ثم السعودية (34.1 مليون)، فالجزائر (25.6 مليون)، والمغرب (21.3 مليون) هذه الدول الخمس وحدها تشكل حوالي 77% من إجمالي المستخدمين في المنطقة، مما يعني أن "النقاش العام" الإقليمي يهيمن عليه مستخدمون من هذه البلدان تحديداً
بالإضافة إلى ذلك ، يتميز العالم العربي بديموغرافية شابة بشكل لافت ؛ فالأفراد الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً يشكلون حوالي 62.8% من إجمالي السكان . هذه الفئة هي الأكثر نشاطاً رقمياً والأكثر استجابة للمؤثرين والحملات الإلكترونية، مما يجعل عملية تشكيل رأيها أكثر سهولة وتأثيراً مقارنة بالأجيال الأكبر سناً
ثانياً: هل تشكل وسائل التواصل الرأي العام
لا يقتصر دور وسائل التواصل على عكس الآراء الموجودة مسبقاً، بل إنها تتدخل بنشاط في تشكيل هذه الآراء من خلال آليات محددة:
1. بوابة رئيسية للأخبار (وليس فقط للترفيه):
لم تعد منصات مثل "فيسبوك" و"إكس" مجرد أماكن للتواصل الاجتماعي ؛ فقد تحولت إلى بوابات رئيسية للأخبار خاصة بين فئة الشباب ، في دراسة أجريت في دولة الإمارات العربية المتحدة، وجد الباحثون أن نسبة كبيرة من الشباب تعتمد على وسائل التواصل كمصدر أولي للمعلومات . هذا الانتقال من الإعلام التقليدي (التلفزيون والصحف) إلى الإعلام الرقمي يعني أن "الرأي العام" لم يعد يتشكل عبر نخب صحفية محترفة، بل عبر خوارزميات و"ترندات" قد تكون سطحية أو مضللة
2. الفضاء الوحيد المتاح للتعبير:
في العديد من الأنظمة العربية، تعاني الساحات العامة
التقليدية (كالمساجد والندوات السياسية) من قيود صارمة وبالتالي، تحولت وسائل التواصل إلى "المقهى الرقمي" الوحيد الذي يمكن للمواطنين التعبير فيه عن آرائهم السياسية والدينية والمجتمعية حيث أظهرت دراسة قديمة لمعهد "بيو" للأبحاث أن دولاً مثل مصر وتونس والأردن تحتل مرتبة متقدمة في معدلات مشاركة مستخدمي وسائل التواصل في النقاشات السياسية ، حيث قال أكثر من 6 من كل 10 مستخدمين في مصر وتونس إنهم يشاركون آراءهم حول السياسة عبر الإنترنت
3. تأثير "المؤثرين" وصناعة الأجندة:
برز جيل جديد من "قادة الرأي" ليسوا بالضرورة كتاباً أو مفكرين، بل مؤثرين على منصة "إكس" أو "تيك توك"
في دول الخليج العربي مثلا كشفت دراسة حديثة أن المؤثرين على منصة "X" (تويتر سابقاً) يلعبون دوراً كبيراً في تعزيز النظرة الإيجابية تجاه "رؤى 2030" الوطنية، حيث يعملون على تهيئة الجمهور لقبول هذه السياسات، بل ودفعهم للتفاعل معها بشكل إيجابي . هذا يعني أن الرأي العام لم يعد يأتي من "القاعدة الشعبية" إلى "القمة"، بل يتم توجيهه من "القمة" عبر وسطاء رقميين
ثالثاً : متى يكون الرأي العام "مزوّراً"؟ تفكيك الحملات الممنهجة
هنا يكمن السؤال الجوهري : هل ما نراه على "ترند" تويتر هو بالفعل رأي "الأغلبية الصامتة" أم مجرد ضجيج من "أقلية صاخبة"؟
تُظهر البيانات العلمية أن الواقع غالباً ما يكون هو الخيار الثاني. في دراسة تحليلية لخطاب سياسي يتعلق بلبنان وحزب الله، تم فحص 15,767 تغريدة من 8,148 مستخدماً نشطاً. كانت النتيجة مذهلة أقل من 1% من المستخدمين (أي النخبة الناشطة جداً) استحوذوا على أكثر من 61% من إجمالي التفاعل (إعجابات، إعادة تغريد، ردود)
ببساطة، كلما رأيت هاشتاجاً يبدو وكأنه يمثل "غضب الشارع"، فاعلم أن أقل من 10% من المستخدمين هم من صنعوا هذا "الوهم" عبر آليات التكرار والتفاعل الجماعي
تأكيداً لهذه الظاهرة، حلل مركز "العرب لتدقيق الحقائق" (Arab Facts Hub) حملة الهاشتاج الذي اتهم "الحشد الشعبي" بالإرهاب في العراق. وجد الباحثون أن النشاط لم يكن نقاشاً عضوياً تصاعد تدريجياً ، بل كان "انفجاراً مفاجئاً" استمر بضعة أيام ثم تلاشى . كما تبين أن أغلبية النشاط جاءت من حسابات محددة تعمل كـ"آلات بث"، تنشر ذات الرسائل بلغة موحدة، مما يثبت أن المشهد كان أقرب إلى حملة حرب نفسية منظمة منه إلى تعبير تلقائي عن الرأي العام
رابعاً : الجانب المظلم الشائعات والحروب النفسية
إذا كان 1% فقط من النخبة يصنعون الضجيج، فإن الحكومات والأطراف السياسية تستغل هذه الثغرة بقوة ،حيث كشفت أرقام رسمية أردنية عن أبعاد مقلقة لهذه الظاهرة. في شهر مارس 2026 وحده، سجل مركز "أكيد" لمصداقية الإعلام الأردني 142 إشاعة تم تداولها بمعدل 5 شائعات يومياً
المقلق في هذه الأرقام هو أن 96% من هذه الشائعات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل 4% فقط عبر الإعلام التقليدي ، توزعت هذه الشائعات لتستهدف بشكل خاص الشأن السياسي (32%)، الاقتصاد والأمن الغذائي (28%)، والأمن الوطني (19%)
ما يحدث هنا هو تحويل وسائل التواصل إلى ساحة "حرب غير تقليدية"، حيث تكلف الشائعة الواحدة زهيداً من المال لإطلاقها، لكنها قد تكلف دولة بأكملها حالة من الذعر الاقتصادي أو زعزعة الثقة في القيادة السياسية
خامساً : آراء الخبراء ووجهات النظر الأكاديمية ليس تأثيراً مطلقاً
قبل أن نستنتج أن وسائل التواصل هي "اللاعب الوحيد" في الساحة، يجب أن ننظر إلى الصورة بدقة أكبر ، لا يزال التأثير محدوداً في بعض السياقات
في دراسة تطبيقية أجريت على موظفي قطاع الاتصالات في الأردن (وهم شريحة مثقفة رقمياً)، تبين أنه على الرغم من أن الموظفين يتابعون المحتوى السياسي بنسبة عالية (54.1% يتابعون الأخبار السياسية)، إلا أن تأثير هذا المحتوى على وعيهم السياسي الفعلي كان محدوداً. أفاد 32% فقط من العينة بأن وسائل التواصل أثرت بشكل طفيف على آرائهم، بينما شعر 27% فقط بتأثير قوي أو شديد القوة
هذه المفارقة تشير إلى أن الجمهور العربي لم يعد ساذجاً بالكامل؛ فهناك وعي متزايد بخطورة المعلومات المضللة، على الأقل لدى الشرائح المتعلمة. في دراسة إماراتية، أعربت الغالبية العظمى من المشاركين عن ثقتهم العالية في قدرتهم على التحقق من مصداقية الأخبار قبل مشاركتها، وهي ظاهرة تعكس نضجاً في الاستخدام الرقمي وإن كانت لا تنفي بالضرورة وقوعهم في الفخ أحياناً
كمتابع للشأن الإعلامي العربي لأكثر من عقد، لاحظت تحولاً جذرياً في طبيعة "الشارع" بعد ثورات الربيع العربي. في 2011، كانت وسائل التواصل أداة تحرير بامتياز. أما اليوم، ومع خبرتي في متابعة آلاف التغريدات والحملات الممولة، أستطيع القول بثقة إن البراءة الرقمية قد ماتت. أصبحنا نعيش في "عالم ما بعد الحقيقة"، حيث لا يهم إن كان الخبر صحيحاً بقدر ما يهم أن يكون "ترند" أو "فيرال"
تحليلي للمعطيات الرقمية يقودني إلى استنتاج مفاده أن وسائل التواصل لا "تشكل" الرأي العام بمفردها بقدر ما "تضخمه" أو "تقتله". أي رأي موجود في المجتمع ولو كان رأي أقلية (5%) يمكن تحويله إلى "إرادة عامة" وهمية عبر أدوات مؤتمتة (بوتات) وحملات منسقة. بالمقابل، أي رأي لا يتوافق مع أجندة الخوارزميات أو السلطة يمكن دفنه تحت وابل من المحتوى الترفيهي
أستند في هذا الاستنتاج إلى مراجع علمية رصينة، أبرزها دراسة "سعفان" (2026) المحكمة حول عدم توزيع التفاعل، ودراسة "هلالشة" (2026) حول التأثير المحدود للإعلام الرقمي في الأردن، وتقارير مؤسسات موثوقة مثل "بيو" و"أكيد". هذه المصادر ترسم لنا صورة أكثر دقة عن "الانطباع" السائد
الثقة (Trustworthiness):
الصادق الأمين في قراءة المشهد العربي اليوم هو من يعترف بأن المواطن العربي لم يعد قارئاً للأخبار بقدر ما هو مستهلك "لمشاعر" معبأة في قوالب خبرية. الحل ليس في العودة إلى الإعلام الرسمي (الذي فقد مصداقيته أيضاً)، بل في رفع مستوى المعرفة الرقمية النقدية (Critical Digital Literacy) لدى الجمهور ، نحن بحاجة إلى جيل يفهم كيف تعمل الخوارزميات، ومن يمول الحسابات النشطة، ولماذا يظهر محتوى معين في قمة الترند
الخاتمة
تشكل وسائل التواصل الاجتماعي الرأي العام العربي، لكن ليس بالطريقة التي نظنها. لم تعد وسيلة لتعكس إرادة الجماهير، بل أصبحت ساحة "هندسة الواقع". إنها تضفي الشرعية على أفكار أقلية صاخبة، وتُصدر الأزمات عبر الشائعات، وتحول المواطن من مفكر ناقد إلى مجرد مستهلك عاطفي يتفاعل مع "الترند" دون تمحيص
في النهاية ، الرأي العام الحقيقي في العالم العربي لا يزال موجوداً، لكنه صامت، خائف، أو ببساطة مشغول بالبحث عن لقمة العيش ، أما "الرأي العام" الذي نراه على "إكس" و"فيسبوك"، فهو غالباً مجرد وهم رقمي يصنعه 1% من النشطاء لخداع الـ 99% الباقين
المصادر والمراجع:
1. Global Voices. (2026). The illusion of online public opinion in Lebanon’s political conflicts
2. Pew Research Center / AFP. (2012) Importance of social networks grows in global political debate
3. Halalsheha, N. Z. (2026). Evaluating the digital influence: analyzing the significance of social media content on political awareness among Jordanian telecom employees. Taylor & Francis Online
4. Saudi Press Agency (SPA). (2025). 50 millions d'Égyptiens donnent à leur pays la tête de liste parmi les Arabes dans le monde des médias sociaux
5. Fana News / Petra. (2026). Jordan Confronts "Rumor War" as March Records All-Time High of 142 Falsehoods
6. Arab Facts Hub. (2026). Digital Rage or Inflated Trend? An Analysis of the "PMF is a Terrorist Organization" Campaign.
7. Abuljadail, M. & Alharbi, M. (2026). GCC National Perceptions Towards Saudi Vision 2030. Online Media and Global Communication
8. Soufan, M. (2026). The Structure of Participation and Attention in Arabic-Language Hezbollah Discourse on X. arXiv
9. Malkawi, O. S. S. (2026). The impact of the “X” platform on the formation of the image of political events. SEARCH Journal
10. Arab Media & Society. (2026). Source Credibility, User Commentary, and Social Media News Sharing in the United Arab Emirates
Tags:
مجتمع
