غاز موريتانيا .... بين وعود التنمية و لعنة الموارد

 



غاز موريتانيا بين وعد التنمية وخطر "لعنة الموارد" : الفرص والتحديات بعد بدء الإنتاج

اكتشف في هذا المقال بالاحصائيات و الأرقام موضوع غاز موريتانيا بين وعد التنمية و الفرص و التحديات ما بعد الانتاج
 
مقدمة

في مايو من عام 2025 ، دخلت موريتانيا والسنغال تاريخ الطاقة العالمي من أوسع أبوابه، عندما أعلنتا عن تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال المستخرج من حقل "السلحفاة الكبرى أحميم" (Grand Tortue Ahmeyim – GTA) ، وهو أكبر حقل للغاز في أعماق البحار في غرب أفريقيا. هذا الحدث لم يكن مجرد خبر عابر، بل هو نقطة تحول جيوسياسية واقتصادية لموريتانيا، التي كانت تُعرف لعقود بكونها دولة صحراوية فقيرة تعتمد على الصيد التقليدي والثروة الحيوانية وتصدير الحديد الخام ، السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم : هل ستكون هذه الثروة الجديدة نعمة تخرج موريتانيا من دائرة الفقر ، أم نقمة تلقي بها في مستنقع "لعنة الموارد"؟ هذا المقال يحلل الأبعاد المختلفة لهذا التحول، مستنداً إلى أحدث البيانات والتقارير الدولية

القسم الأول : حجم الثروة وحجم الطموح

لفهم حجم التحول، يجب النظر إلى الأرقام. حقل "السلحفاة الكبرى أحميم" المشترك بين موريتانيا والسنغال، والذي تديره شركة "بي بي" (BP) البريطانية بالشراكة مع شركتي "كوسموس إنرجي" (Kosmos Energy) الأمريكية و"بتروسن" (Petrosen) و"سميث" (SMH) الموريتانية، يحتوي على احتياطيات قابلة للاستخراج تقدر بنحو 15 تريليون قدم مكعب من الغاز . هذا الرقم الهائل يضع الحقل ضمن أكبر الاكتشافات الغازية في العقد الأخير في غرب أفريقيا

مرحلة الإنتاج الأولى التي انطلقت في مايو 2025، والتي تتضمن معالجة الغاز على متن سفينة عملاقة متخصصة (Floating Liquefied Natural Gas vessel – FLNG)، تقدر بطاقة إنتاجية تبلغ 2.5 مليون طن من الغاز المسال سنوياً . من المقرر أن يتم توجيه 80% من هذا الإنتاج إلى الأسواق الدولية، بينما تخصص النسبة المتبقية (حوالي 20-25%) لتوليد الكهرباء في البلدين المنتجين . هذا الرقم الأخير هو جوهر التنمية المحلية، حيث يعاني ما يقدر بنحو 40% من سكان موريتانيا من انقطاع التيار الكهربائي وعدم انتظامه 

وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في أبريل 2025، من المتوقع أن تشهد موريتانيا قفزة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.3% في عام 2025، لترتفع إلى 6.2% في العام التالي، مدفوعة بشكل أساسي بقطاع الغاز  لكن التحذير نفسه الصادر عن الصندوق كان صارماً : هذه النسبة لا تعني بالضرورة تحسناً في معيشة المواطن العادي إذا لم تترجم العوائد إلى استثمارات حقيقية

القسم الثاني : فرص التنمية التي يحملها الغاز

عند الحديث عن حسن استغلال هذه العوائد ، يمكن حصر الفرص في ثلاثة محاور رئيسية :

أولاً : حل أزمة الطاقة المزمنة

موريتانيا دولة تعاني من عجز هيكلي في الطاقة ، حيث تصل تكلفة توليد الكيلوواط/ساعة باستخدام الوقود الثقيل والديزل إلى أرقام فلكية، وتصل خسائر شبكة التوزيع إلى أكثر من 20% بسبب القدم والسرقة . الغاز الطبيعي الجديد هو الحل الأكثر منطقية واقتصادية

هناك خطط طموحة لبناء ثلاث محطات كهرباء جديدة تعمل بالغاز بقدرة إجمالية تصل إلى 550 ميغاواط . هذا سيساهم في :

· خفض تكلفة الكهرباء من حوالي 0.18 دولار للكيلوواط/ساعة حالياً إلى أقل من 0.08 دولار .
· تقليل الاعتماد على الوقود المستورد الذي يلتهم حوالي 15% من قيمة الواردات السنوية 
· توفير مصدر طاقة نظيف نسبياً، بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالفحم والنفط الثقيل

ثانياً : إطلاق ثورة صناعية

الطاقة الرخيصة والمستقرة هي "وقود" الصناعة. يمكن لموريتانيا الآن أن تحول نفسها من مجرد مصدر للمواد الخام إلى دولة صناعية. مشروع العشرين عاماً الذي تخطط له شركة "أركيليور ميتال" الفرنسية العملاقة، والذي يتضمن تحويل الحديد المنتج محلياً إلى "حديد أخضر" باستخدام الغاز الطبيعي والهيدروجين، يحمل في طياته استثمارات بقيمة 1.2 مليار دولار . هذا المشروع وحده سيوفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة

بالإضافة إلى ذلك، الطاقة الرخيصة تجعل من الممكن إنشاء :

· مصانع للأسمدة (تستفيد من القرب من الأسواق الزراعية الأفريقية)
· مصانع لتقطير مياه البحر (محل أزمة المياه المتنامية في نواكشوط)
· مناطق صناعية لوجستية حول ميناء انواذيبو، تستفيد من ممرات التجارة عبر المحيط الأطلسي

ثالثاً : تعزيز مكانة إقليمية

خريطة الطاقة العالمية تتغير مع الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا، أصبحت أوروبا تبحث عن مصادر بديلة للغاز. موريتانيا بموقعها على المحيط الأطلسي ، بعيدة عن مضيق هرمز ومضيق باب المندب ، توفر خط إمداد آمن ومباشر إلى الأسواق الأوروبية. وزير النفط الموريتاني السابق عبد السلام ولد محمد صالح صرح في منتدى دافوس الاقتصادي (يناير 2025) بأن بلاده تسعى لأن تصبح "مركزاً إقليمياً للطاقة والصناعة". هذا الطموح ليس مستحيلاً ، إذا ما تم التعامل مع عوائد الغاز بحكمة

القسم الثالث : التهديدات و"لعنة الموارد"

لكن التاريخ يعج بالأمثلة المحزنة لدول غنية بالثروات الطبيعية وشعوبها تعيش تحت خط الفقر. نيجيريا ، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا ، يعيش أكثر من 40% من سكانها على أقل من 1.9 دولار يومياً ، أنغولا ثاني أكبر منتج للنفط في القارة، دمرتها حرب أهلية طويلة بسبب الصراع على العوائد ، ما يهدد موريتانيا هو نفسه ما هدد هذه الدول

ضعف الشفافية والفساد

أحدث تقرير صادر عن مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) لعام 2024 ، والذي شملت فيه موريتانيا لأول مرة كقطاع غاز واعد ، رصد فجوة تصل إلى 15 مليون دولار بين ما أعلنت الشركات أنها دفعته للدولة وما أعلنته الدولة أنها تلقته في السنوات الأربع الماضية  والأخطر أن صندوق الثروة السيادية ("صندوق الأجيال القادمة") لم تخضع حساباته لتدقيق خارجي منذ عام 2019 ، ولم يُنشر تقرير المراجع الخارجي لعام 2022 حتى لحظة كتابة هذا المقال 

تقرير منظمة "الشفافية الدولية" لعام 2025 وضع موريتانيا في المرتبة 125 من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد ، بانخفاض 4 نقاط عن العام السابق . هذا التراجع يتزامن مع بداية تدفق الإيرادات النفطية، وهو مؤشر خطر حقيقي

ضعف مؤسسات الرقابة

مشكلة موريتانيا ليست فقط في الفساد ، بل في غياب آليات المحاسبة. تقرير البنك الدولي حول الحوكمة الاقتصادية في موريتانيا (فبراير 2025) أشار إلى أن :

· المفتشية العامة للمالية تعاني من نقص في عدد المفتشين بنسبة تصل إلى 40% عن العدد المطلوب
· محكمة الحسابات لم تصدر تقريرها السنوي عن العام المالي 2024 إلا في الربع الثالث من 2025، أي بعد تأخير 9 أشهر
· لا توجد آلية واضحة لمحاسبة المسؤولين عن أي اختلاس أو سوء استخدام للأموال العامة

هذه المؤشرات ترسم صورة قاتمة : أموال تتدفق، مؤسسات ضعيفة ، وفساد متصاعد

تفاقم الفقر وعدم المساواة

المفارقة العجيبة أن النمو الاقتصادي في موريتانيا لم يترجم أبداً إلى تحسن في معيشة الأغلبية. حالياً ، يعيش 28% من السكان تحت خط الفقر الوطني، و31.5% يعانون من الفقر متعدد الأبعاد (نقص في التعليم والصحة ومستوى المعيشة) تقرير صندوق النقد الدولي يحذر من أن هذا الرقم قد يرتفع إلى 31.8% بحلول عام 2027 إذا لم يتم توجيه إيرادات الغاز بشكل مباشر إلى الفئات الأكثر ضعفاً 

سبب هذه المفارقة هو نمط النمو "المنعزل" (Enclave Economy) الذي يميز الصناعات الاستخراجية ، مشاريع الغاز توظف تقنيات متقدمة وعمالة متخصصة، معظمها من الخبراء الأجانب. المكاسب تتركز في جيوب صغيرة، بينما يشعر المواطن العادي بارتفاع الأسعار (التضخم المتوقع أن يصل إلى 7.2% في 2025) دون أي تحسن في دخله أو خدماته الأساسية . هذا هو جوهر "لعنة الموارد": ثروة وطنية تتحول إلى فقر فردي

الخاتمة 

بعد كل هذه الأرقام والتحليلات ، ما هو رأيي الشخصي؟

أرى أن غاز موريتانيا هو أكبر نعمة من الله لهم و أنها فرصة تاريخية للبلاد ، ولكنه أيضاً أكبر تهديد وجودي لمستقبلها الديمقراطي والاقتصادي الثروة في حد ذاتها ليست لعنة ، بل سوء إدارتها هو اللعنة

الطريق الصحيح هو طريق صعب وواضح في نفس الوقت يجب على الحكومة الموريتانية - إذا كانت جادة - القيام بثلاثة أمور فورية قبل أن تتبخر العوائد الأولى في جيوب الفاسدين :

1. الشفافية الجذرية : نشر كل عقود الغاز كاملة على الإنترنت دون أي استثناءات. إنشاء منصة رقمية لتتبع كل ريال يدخل صندوق الثروة السيادية، يمكن لأي مواطن الوصول إليها. دعوة مراقبين دوليين مستقلين لتدقيق الحسابات كل ثلاثة أشهر
2. استثمار مباشر في الفقراء: توجيه 30% من إيرادات الغاز في السنوات الخمس الأولى إلى تغطية صحية شاملة ومجانية، وبناء مدارس في القرى الريفية (حيث تصل نسبة الأمية إلى 55% في بعض المناطق)، وتوفير تحويلات نقدية مشروطة للأسر الأكثر فقراً (على غرار تجارب البرازيل والمكسيك الناجحة)
3. محاربة الفساد بلا هوادة : إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، تعين بالتشاور مع المجتمع المدني، وتتمتع بسلطة التحقيق والإحالة إلى القضاء دون حاجة لأذن مسبق من أي جهة

إذا فعلت موريتانيا هذه الأشياء، فسوف تتحول من مثال للفقر إلى مثال للإرادة والتنمية في أفريقيا. وإذا لم تفعل، فسوف تنتهي بها الحال مثل نيجيريا دولة غنية بالموارد، فقيرة بالإنجازات، يعيش أهلها على ذكريات "لو كنا استغلينا ثرواتنا بشكل أفضل"

الخاتمة 

الخيار الآن بين يدي القيادة الموريتانية أتمنى أن يختاروا الطريق الصحيح لمستقبل أبنائهم ، لأن الأجيال القادمة لن تسامحكم إن أضعتم هذه الفرصة

المصادر والمراجع

· صندوق النقد الدولي (IMF). (أبريل 2025). "تقرير الاستشارات المالية لموريتانيا 2025". واشنطن العاصمة
· مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) (أكتوبر 2024). "تقرير موريتانيا لعام 2024". أوسلو
· البنك الدولي. (فبراير 2025). "مذكرة السياسات: الحوكمة الاقتصادية ومكافحة الفساد في موريتانيا". واشنطن العاصمة
· منظمة الشفافية الدولية. (يناير 2025). "مؤشر مدركات الفساد 2024". برلين
· الشركة الوطنية للصناعة والمناجم الموريتانية (سميث) وشركة بي بي. (مايو 2025). "البيان المشترك حول بدء الإنتاج في حقل السلحفاة الكبرى أحميم". نواكشوط


إرسال تعليق

أحدث أقدم