قصة سيدنا يونس عليه السلام : عبر من القرآن والسنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، أما بعد ،
فإن في قصص الأنبياء عبرًا وعظات ، وقد قص الله علينا أحسن القصص في كتابه الكريم ، ومن هذه القصص العظيمة قصة نبيه يونس بن متى عليه السلام ، والذي سماه الله في محكم كتابه "ذا النون" أي صاحب الحوت
لقد أثنى الله -عز وجل- على نبيه يونس عليه السلام، فجعله من جملة المرسلين الذين فضلهم على العالمين. قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86] .
كما أثنى الله عليه بأنه كان من الصالحين، فقال تعالى ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: 50]
وفي السنة النبوية ، ورد النهي عن تفضيل النفس عليه عليه السلام ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" . وهذا الحديث يدل على منزلته الرفيعة وفضله الكبير عند الله، وهو من باب التواضع الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته
هو يونس بن متى، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، بعثه الله -تبارك وتعالى- إلى أهل نينوى في أرض العراق ، وكانوا قوماً كافرين يعبدون الأصنام ، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، كما هو شأن جميع الرسل والأنبياء
الدعوة إلى الله والإعراض عنها
لبث يونس عليه السلام يدعو قومه إلى الله ، ناصحاً لهم ، محذراً إياهم عذاب الله إن استمروا على كفرهم وضلالهم ، فلم يستجيبوا له، بل أصرّوا على عنادهم وكفرهم . فضاق صدره عليهم، وأخبرهم أن العذاب سيحل بهم في وقت معين
ولكن الله -تعالى- أراد بهم رحمة، فلما تحققوا من نزول العذاب بهم، وتيقنوا أن دعوة يونس حق، خرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، وضجوا إلى الله متضرعين، وتابوا وأنابوا إلى ربهم . فقبل الله توبتهم، وصرف عنهم العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98]
ولما لم يعلم يونس عليه السلام بتوبة قومه، وخرج ينتظر حلول العذاب بهم، فلما لم ير شيئاً، ظن أنه قد كُذّب، فغضب وخرج من بين أظهرهم دون أن يأذن الله له بذلك . قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: 87]
وقد اختلف المفسرون فيمن كان مغاضباً: هل لقومه أم لربه؟ والذي يظهر من سياق الآيات أنه خرج مغاضباً لقومه ، وقيل "ذهَبَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ" أي: غضب على قومه فغضب الله عليه بسبب ذلك
ذهب يونس عليه السلام إلى البحر فركب سفينة مشحونة بالركاب. فلما سارت بهم السفينة في اللجج، اضطربت بهم الأمواج وكادوا يغرقون، فاقترعوا فيما بينهم على من يلقون من السفينة لتخف، فوقعت القرعة على يونس عليه السلام
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 139-142]
فألقى يونس عليه السلام بنفسه في البحر بإشارة من الله، وأوحى الله إلى حوت أن يلتقمه، وأن يأمره بحفظه، فلا يأكل له لحماً ولا يهشم له عظماً
في ظلمات ثلاث : ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، نادى يونس عليه السلام ربه داعياً من قلب مكسور، معترفاً بذنبه وظلمه لنفسه، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]
وهذا الدعاء العظيم يُعرف بدعاء ذي النون، وهو من أعظم أدعية الكرب والبلاء. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88]
وقد ورد في فضل هذا الدعاء أحاديث كثيرة، منها ما رواه الحاكم عن سعد بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا أدلكم على اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ دعوة يونس بن متى"
وبين الله -عز وجل- سبب نجاة يونس عليه السلام من بطن الحوت، وهو أنه كان من المسبحين الكثيري الذكر لله في السراء والضراء. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]
فتسبيحه لله وتضرعه إليه كان سبباً في خروجه من تلك الشدة العظيمة، وهذا درس للمؤمنين بأن الذكر والدعاء هما مفتاح الفرج والنجاة من الكروب
أمر الله الحوت أن يقذف يونس عليه السلام على الساحل في أرض جدباء، فنبذه الحوت هناك. وكان يونس حين خرج منه كالفرخ الممعط لا ريش عليه، قد أثرت عليه أمعاء الحوت، وكان سقيماً
قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: 145-146]
واليقطين هو شجرة القرع، التي تظلله بظلها وتطعمه بثمارها، وتتميز بسرعة نموها وكبر ورقها، فكانت رحمة من الله به بعد محنته
بعد أن تاب الله على يونس عليه السلام واصطفاه واجتباه، أمره بالعودة إلى قومه ليدعوهم إلى الله مرة أخرى. قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: 147-148]
فآمن قومه جميعهم، وكانت هذه الآية العظيمة، حيث لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها بعد نزول العذاب إلا قوم يونس
هناك العديد من الدروس والعبر التي نستخلصها من هذه القصة العظيمة
أولاً: أن التوبة الصادقة سبب في رفع البلاء، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 98]
ثانياً: أن كثرة التسبيح والذكر سبب للنجاة من الكربات، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143]
ثالثاً: أن المؤمن لا ينبغي له أن ييأس من رحمة الله مهما عظم البلاء، كما أن يونس نادى ربه في أشد الظلمات وأصعبها
رابعاً: أن الله يقبل توبة عباده إذا تابوا توبة نصوحاً خالصة لوجهه الكريم.
خامساً: أن من أعظم الأدعية عند الكرب قول: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
هذه هي قصة نبي الله يونس عليه السلام كما وردت في الكتاب والسنة. قصة تحمل في طياتها العديد من الدروس والعبر للمؤمنين، وتذكرنا بأهمية الصبر والدعاء والتسبيح، وأن الله -عز وجل- هو صاحب الرحمة الواسعة الذي يفرج الكروب ويقبل التوبة عن عباده
نسأل الله أن يجعلنا من التوابين والمستغفرين، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب
وصلى الله على نبينا محمد
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
تفسير ابن كثير – تفسير آيات قصص الأنبياء (دار طيبة للنشر والتوزيع)
تفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن (مؤسسة الرسالة)
البداية والنهاية – للإمام عماد الدين ابن كثير (قصة عيسى ابن مريم)
قصص الأنبياء – لابن كثير (دار الكتب العلمية)
صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء
Tags:
دين
