كيف تصنع البنوك الأموال من لا شيء؟ شرح تفصيلي لواحدة من أكثر الآليات غموضًا في الاقتصاد الحديث
اكتشف آلية خلق النقود داخل النظام المصرفي الحديث ، ودور القروض والبنوك المركزية والاحتياطي النقدي، مع أرقام وإحصائيات حديثة ومصادر موثوقة
مقدمة
كيف تصنع البنوك الأموال من لا شيء؟
يعتقد كثير من الناس أن البنوك تعمل بطريقة بسيطة للغاية: يضع الأشخاص أموالهم داخل البنك، ثم يقوم البنك بإقراض هذه الأموال لأشخاص آخرين مقابل فوائد، ويحتفظ بجزء من الأرباح. هذه الفكرة كانت صحيحة جزئيًا في مراحل معينة من التاريخ، لكنها لا تصف بدقة طريقة عمل النظام المصرفي الحديث
في الواقع، هناك حقيقة قد تبدو صادمة للكثيرين: البنوك التجارية لا تكتفي بإعادة تدوير الأموال الموجودة فقط، بل تمتلك قدرة على خلق أموال جديدة داخل الاقتصاد عند منح القروض. لهذا السبب يصف بعض الاقتصاديين الأمر بعبارة "خلق الأموال من لا شيء". لكن هل تقوم البنوك فعلاً بطباعة الأموال مثل البنوك المركزية؟ وهل يتم خلق ثروة حقيقية أم مجرد أرقام إلكترونية؟
لفهم ذلك، يجب الدخول إلى عالم النظام المالي الحديث خطوة بخطوة
ما المقصود بخلق الأموال؟
خلق الأموال أو "Money Creation" هو عملية إضافة نقود جديدة إلى الاقتصاد دون الحاجة إلى طباعة أوراق نقدية جديدة بالضرورة
في الماضي كانت العملات مرتبطة بالذهب. كان البنك أو الدولة يحتاجان إلى احتياطيات من المعدن النفيس لإصدار المزيد من الأموال. لكن بعد انتهاء نظام ربط العملات بالذهب في سبعينيات القرن الماضي، أصبحت معظم دول العالم تعتمد على العملات الورقية الحديثة أو ما يعرف بالنقود الإلزامية
اليوم معظم الأموال الموجودة في العالم ليست أوراقًا نقدية
تشير بيانات العديد من البنوك المركزية إلى أن النقد الورقي والعملات المعدنية يشكلان نسبة صغيرة فقط من إجمالي الأموال المتداولة. ففي العديد من الاقتصادات المتقدمة تتجاوز نسبة الأموال الرقمية والمصرفية 90% من إجمالي الكتلة النقدية
هذا يعني أن الجزء الأكبر من الأموال الموجودة اليوم عبارة عن أرقام داخل الحسابات البنكية
كيف تخلق البنوك الأموال عمليًا؟
لفهم العملية، سنستخدم مثالًا مبسطًا
لنفترض أن شخصًا دخل إلى بنك وأراد قرضًا بقيمة 100 ألف دولار لشراء منزل
في الفهم التقليدي قد يعتقد البعض أن البنك سيأخذ هذه الأموال من ودائع شخص آخر
لكن في الواقع، غالبًا ما يحدث شيء مختلف
يقوم البنك بالموافقة على القرض ثم يضيف 100 ألف دولار إلى الحساب البنكي للمقترض
قبل منح القرض لم تكن هذه الأموال موجودة في الحساب
بعد تسجيل القرض أصبحت الأموال موجودة ويمكن استخدامها في عمليات الشراء والدفع والتحويل
في المقابل يسجل البنك القرض كأصل مالي عليه
بهذه العملية تم خلق أموال جديدة داخل النظام المالي
ببساطة:
البنك خلق وديعة جديدة
المقترض حصل على أموال يمكن إنفاقها
الاقتصاد أصبح يحتوي على كمية أكبر من النقود
لكن البنك لا يقوم بذلك بصورة عشوائية أو غير محدودة
لماذا لا تخلق البنوك أموالًا بلا حدود؟
إذا كان الأمر بهذه السهولة، قد يطرح سؤال منطقي :
لماذا لا تقوم البنوك بخلق تريليونات الدولارات؟
هناك عدة قيود رئيسية:
أولًا: متطلبات رأس المال
بعد الأزمات المالية العالمية فُرضت قواعد صارمة على البنوك
تحت اتفاقيات بازل الدولية أصبحت البنوك مطالبة بالاحتفاظ بنسبة معينة من رأس المال مقارنة بحجم القروض والمخاطر.
كلما زادت القروض، احتاج البنك إلى احتياطيات ورأسمال أكبر
ثانيًا: قدرة المقترضين على السداد
البنك يريد تحقيق أرباح وليس خسائر
إذا منح قروضًا لأشخاص غير قادرين على السداد فقد يواجه أزمة خطيرة
ولهذا تدرس البنوك:
دخل المقترض
تاريخه الائتماني
نسبة الديون
الضمانات
ثالثًا: سياسة البنك المركزي
البنوك المركزية تتحكم في البيئة النقدية من خلال:
أسعار الفائدة
الاحتياطي النقدي
أدوات السياسة النقدية
عندما ترتفع أسعار الفائدة يقل الاقتراض عادة
وعندما تنخفض أسعار الفائدة يزداد الاقتراض وبالتالي يزداد خلق الأموال
ماذا حدث خلال الأزمة المالية العالمية؟
أظهرت الأزمة المالية سنة 2008 مدى خطورة التوسع غير المدروس في خلق القروض
في الولايات المتحدة توسعت المؤسسات المالية بشكل كبير في منح قروض عقارية مرتفعة المخاطر
عندما بدأ المقترضون في التعثر انهارت أسعار المنازل وبدأت سلسلة من الإفلاسات والخسائر
خسر الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات
كما فقد ملايين الأشخاص وظائفهم ومنازلهم
تُقدّر بعض الدراسات أن الاقتصاد العالمي تكبد خسائر تجاوزت عدة تريليونات من الدولارات نتيجة الأزمة
بعد ذلك شددت الحكومات الرقابة على القطاع المصرفي
يمكن الإشارة إلى الأزمة المالية العالمية 2008 باعتبارها مثالًا واضحًا على تأثير خلق الائتمان بشكل مفرط
أرقام وإحصائيات مهمة حول خلق الأموال
تشير تقديرات العديد من البنوك المركزية إلى أن أكثر من 90% من الأموال المتداولة في الاقتصادات الحديثة تأتي من الودائع المصرفية وليس من النقد الورقي
في الولايات المتحدة تبلغ قيمة الكتلة النقدية الواسعة عدة تريليونات من الدولارات
خلال جائحة كوفيد ارتفعت بعض المقاييس النقدية بوتيرة غير مسبوقة بسبب برامج الدعم والتيسير النقدي
كما رفعت العديد من البنوك المركزية ميزانياتها بشكل كبير عبر شراء السندات وضخ السيولة
في بعض الفترات تجاوزت الزيادة السنوية في بعض المقاييس النقدية 20%
وقد ساهم ذلك لاحقًا في موجات تضخم شهدتها عدة اقتصادات حول العالم
هل تقوم البنوك بطباعة الأموال؟
الجواب: لا
البنوك التجارية لا تطبع الأوراق النقدية
المسؤول عن إصدار العملات الورقية هو البنك المركزي
لكن البنوك التجارية تخلق أموالًا مصرفية إلكترونية عند تقديم القروض
هناك فرق مهم بين:
النقود المركزية: وتشمل الأوراق النقدية والاحتياطيات لدى البنك المركزي
النقود المصرفية: وهي الأموال الموجودة داخل الحسابات البنكية
النوع الثاني يشكل الجزء الأكبر من الأموال المتداولة في الاقتصاد الحديث
ما العلاقة بين خلق الأموال والتضخم؟
عندما تزداد كمية الأموال بسرعة أكبر من إنتاج السلع والخدمات، يمكن أن ترتفع الأسعار
إذا تضاعفت الأموال بينما بقي الإنتاج ثابتًا، يصبح هناك عدد أكبر من الأشخاص الذين يملكون قدرة شرائية أعلى على كمية السلع نفسها
النتيجة المحتملة هي ارتفاع الأسعار
لكن العلاقة ليست دائمًا مباشرة
هناك عوامل أخرى تؤثر مثل:
الإنتاج
البطالة
أسعار الطاقة
سلاسل الإمداد
التجارة العالمية
هل خلق الأموال أمر سيئ؟
ليس بالضرورة
لو لم تكن البنوك قادرة على خلق الائتمان لتباطأ الاقتصاد بشكل كبير
الشركات تحتاج إلى قروض للاستثمار
الأسر تحتاج إلى قروض للسكن والتعليم
الحكومات تحتاج إلى تمويل المشاريع الكبرى
المشكلة لا تكمن في خلق الأموال نفسه، بل في الإفراط أو سوء الإدارة
فالتوسع المنضبط في الائتمان يساعد على النمو الاقتصادي، بينما يؤدي التوسع المبالغ فيه أحيانًا إلى فقاعات مالية وأزمات
أرى أن عبارة "البنوك تصنع الأموال من لا شيء" صحيحة جزئيًا لكنها قد تكون مضللة إذا استُخدمت دون شرح. فالبنوك لا تخلق ثروة حقيقية من الفراغ، بل تخلق قدرة شرائية جديدة مبنية على توقعات السداد والإنتاج المستقبلي
خاتمة
المشكلة الحقيقية ليست في خلق الأموال، وإنما في السؤال: من يحصل على هذه الأموال أولًا؟ وكيف تُستخدم؟
إذا ذهبت القروض نحو الاستثمار والإنتاج والبنية التحتية فقد تدعم النمو وفرص العمل. أما إذا اتجهت نحو المضاربات وفقاعات الأصول فقد تتحول إلى مصدر عدم استقرار اقتصادي
النظام المصرفي الحديث يشبه محركًا قويًا جدًا؛ يمكنه دفع الاقتصاد إلى الأمام بسرعة كبيرة، لكنه يحتاج دائمًا إلى رقابة وتوازن حتى لا يتحول إلى مصدر أزمات
المصادر والمراجع
bankofengland.co.uk�
imf.org�
worldbank.org�
federalreserve.gov�
bis.org�
كتاب: Modern Money Mechanics
كتاب: The Economics of Money, Banking and Financial Markets للمؤلف Frederic Mishkin
