D-8 كيف تقود المكسيك وإندونيسيا تحالفات "الوسط" في عالم متعدد الأقطاب؟
تحليل معمق لصعود القوى المتوسطة في النظام العالمي الجديد، مع دراسة حالة المكسيك وإندونيسيا كقائدين لتحالفات مستقلة، والتحديات التي تواجه هذه التحالفات في عالم متصدع
المقدمة
لم يعد عالم اليوم ثنائي القطب حيث يختار الجميع بين واشنطن و موسكو ، أو حتى أحادي القطب تهيمن عليه قوة عظمى واحدة. كلمات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس 2026 تلخص اللحظة بدقة متناهية : "نحن في خضم تمزق، وليس مجرد مرحلة انتقالية". هذا "التمزق" الذي يتحدث عنه كارني خلق فراغاً استراتيجياً هائلاً، لم يعد بإمكان القوى العظمى وحدها ملؤه
في هذا الفراغ، سارعت قوى "متوسطة" و"إقليمية" مثل المكسيك وإندونيسيا وتركيا إلى ملء الفراغ، ولكن على طريقتها ، هذه الدول لم تعد تريد فقط البقاء بمنأى عن الصراع بين القطبين، بل أصبحت تصنع تحالفاتها الخاصة القائمة على المصالح المشتركة، وتعيد تعريف معنى السيادة في القرن الحادي والعشرين. فالمكسيك تجاوزت علاقتها المعقدة مع جارتها الشمالية، وإندونيسيا تضع نفسها كقائدة للعالم النامي، وكلاهما يسعى إلى رسم ملامح نظام عالمي جديد أكثر توازناً وتمثيلاً
في هذا المقال، سنستعرض بالتحليل والتدقيق نموذجي المكسيك وإندونيسيا كقائدين لتحالفات "الوسط"، ونفهم الدوافع والاستراتيجيات والتحديات التي تواجه هذه الظاهرة الجديدة في العلاقات الدولية، ونجيب عن السؤال الأهم : هل هذه التحالفات متينة حقاً، أم أنها مجرد تحالفات ظرفية سرعان ما تتصدع ؟
أولاً : تشخيص الحالة – لماذا تحالفات "الوسط" الآن؟
يتفق قادة العالم اليوم على أن "النظام القائم على القواعد" الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية أصبح مجرد "وهم مفيد" كما وصفه كارني. القواعد التي كانت تحمي الدول الصغيرة وتنظم الصراعات أصبحت اليوم عاجزة عن حماية أي أحد، والأطراف الكبرى أصبحت تنظر إلى بعضها البعض كتهديد وجودي، مما جعل النظام الدولي أشبه بساحة صراع مفتوحة
في هذا الفراغ الاستراتيجي، تبرز القوى المتوسطة، التي عرّفها المنتدى الاقتصادي العالمي بأنها : "المساهمون في الاقتصاد العالمي، أعمدة النفوذ الإقليمي، والأهم، منظمي التحالفات الجديدة". هذه الدول لم تعد تقبل بدور "المُصوّت التابع" في المحافل الدولية، بل تتعامل مع المشهد العالمي كلعبة شطرنج معقدة، حيث يمكن تحييد التهديدات عبر التنويع والمرونة. هذه الفلسفة تُعرف بـ "التعددية المرنة"، وهي استراتيجية تقوم على :
· تنويع الشراكات الدولية لتجنب التبعية لأي قطب بعينه
· بناء تحالفات متعددة الأغراض، اقتصادية وسياسية وأمنية
· المرونة في التحول بين الحلفاء حسب كل ملف وقضية
أعتقد أن صعود القوى المتوسطة ليس مجرد رد فعل على الفراغ الذي تركته القوى العظمى، بل هو نتيجة نضج سياسي واستراتيجي لهذه الدول. لقد تعلمت المكسيك وإندونيسيا وتركيا الدرس القائل بأن "البقاء على الحياد" في عالم متشابك لم يعد خياراً ممكناً، بل أصبحت الحاجة إلى "المبادرة وصناعة التحالفات" هي السبيل الوحيد للحفاظ على السيادة والمصالح
وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، فإن القوى المتوسطة تساهم بنحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتضم أكثر من 60% من سكان العالم، مما يمنحها ثقلاً اقتصادياً وديموغرافياً لا يمكن تجاهله في أي معادلة دولية
ثانياً : النموذج الأول – المكسيك الجار الذي يُعيد تعريف "السيادة"
عندما تفكر في المكسيك، أول ما يتبادر إلى الذهن هو علاقتها المعقدة مع الولايات المتحدة، سواء عبر اتفاقية التجارة الحرة (NAFTA/USMCA)، أو ملف الهجرة، أو مكافحة المخدرات. لكن إدارة الرئيسة كلاوديا شينباوم ترسم خطاً جديداً وواضحاً يعيد تعريف السيادة المكسيكية في علاقتها مع جارتها الشمالية
السيادة غير قابلة للتفاوض
في يناير 2026، صرحت شينباوم صراحةً أن المكسيك لن تقبل "أي شكل من أشكال التبعية" لواشنطن، قائلة: "نحن أمة ذات سيادة، وهذا مهم للغاية". لم تكتفِ بالتصريح، بل تحركت بحزم عندما كشفت تقارير عن وجود عملاء لوكالة المخابرات المركزية (CIA) ضمن قتلى حادث سير على الأراضي المكسيكية، مؤكدة أن أي تعاون أمني مع واشنطن يجب أن يخضع للقانون المكسيكي بشكل صارم، وأن السيادة المكسيكية ليست ورقة للتفاوض
رقم مهم : وفقاً لاستطلاع أجرته جامعة الوطنية المستقلة في المكسيك عام 2025، فإن 78% من المكسيكيين يؤيدون سياسة الرئيسة شينباوم في تعزيز السيادة الوطنية وتقليل التبعية للولايات المتحدة، وهو رقم يعكس تحولاً عميقاً في الوعي الوطني
لغة التحالفات الجديدة
بدلاً من الرضوخ للضغوط الأمريكية، تحتضن المكسيك مجموعات "المتوسط" مثل ميكتا (MIKTA)، وهي مجموعة تضم المكسيك وإندونيسيا وكوريا وتركيا وأستراليا. في اجتماع وزراء خارجية المجموعة في فبراير 2026، دعت المكسيك إلى تعاون اقتصادي وتكنولوجي وأكاديمي أعمق بين أعضاء المجموعة، ليس كبديل عن أي من القطبين، بل كـ "جسر بين الدول المتقدمة والنامية"، وهو دور يمنح المكسيك نفوذاً وتأثيراً يتجاوز حدودها الإقليمية
كما سعت المكسيك إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية، من خلال تعزيز العلاقات التجارية مع دول آسيا وأوروبا، وتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة مع دول مجموعة D-8 ومجموعة ميكتا
ثالثاً : النموذج الثاني – إندونيسيا القاطرة التي تريد قيادة "الجنوب العالمي"
إندونيسيا ليست مجرد دولة جزرية كبيرة، إنها تضع نفسها كقائد اقتصادي وسياسي للعالم النامي، واستراتيجيتها تقوم على ركيزتين أساسيتين : قيادة تكتلات الجنوب العالمي، والانفتاح على كل الأطراف دون استثناء
قيادة دول الثماني النامية (D-8)
تولت إندونيسيا رئاسة دول الثماني النامية (D-8) في عام 2026، وهو تكتل يضم تركيا ونيجيريا ومصر وإيران وباكستان وبنغلاديش وماليزيا وأذربيجان. هذا التكتل ليس مجرد صورة رمزية، فهو يمثل 1.3 مليار نسمة وناتج محلي إجمالي يبلغ 5.1 تريليون دولار، مما يجعله واحداً من أهم التكتلات الاقتصادية في العالم النامي
الرئاسة الإندونيسية للـ D-8 تتبنى شعار "اجتياز التحولات العالمية"، مع أولويات واضحة تشمل :
· تعزيز الاقتصاد الحلال : وهو قطاع يشهد نمواً هائلاً عالمياً، ويقدر حجم سوقه بتريليونات الدولارات
· التحول الرقمي : وتقليص الفجوة الرقمية بين دول التكتل ودول الشمال
· الاقتصاد الأزرق: والاستدامة البحرية، خاصة أن دول D-8 تمتلك سواحل واسعة وموارد بحرية ضخمة
إحصائية : بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2025، فإن دول D-8 تشكل مجتمعة أكثر من 10% من التجارة العالمية، مع معدلات نمو تفوق المعدلات العالمية، مما يجعلها محوراً اقتصادياً صاعداً لا يمكن تجاهله
منطق "الألف صديق"
الرئيس الإندونيسي الحالي برابوو سوبيانتو يتبنى سياسة خارجية جريئة يصفها بـ "سياسة الألف صديق"، وهي استراتيجية تقوم على الانفتاح على جميع القوى الدولية دون استثناء، وعدم إقصاء أي طرف من دائرة التعاون
في خطوة لافتة، انضمت إندونيسيا إلى مجموعة "بريكس" التي توسعت لتضم دولاً نامية كبرى، وفي نفس الوقت قبلت دعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام"، وأبدت استعداداً لإرسال قوات حفظ سلام إلى غزة. الهدف واضح : التواجد في كل الطاولات، لضمان عدم إقصائها عن أي قرار يخص مستقبل العالم
أظن أن استراتيجية "الألف صديق" الإندونيسية تجسد التعددية المرنة بأجلى صورها. فهي لا تخشى التناقض الظاهري في الانضمام إلى مجموعات متضاربة المصالح، لأنها تتعامل مع كل مجموعة بمنطق المصالح المحددة، وليس بالانتماء الأيديولوجي الجامد. هذه هي سياسة القرن الحادي والعشرين
رابعاً : هل هذا التحالف "متين" حقاً ؟ التحديات الخفية
لكن قبل أن نتصور أن هذه التحالفات ستحل محل الأمم المتحدة أو تصبح نظاماً عالمياً بديلاً، هناك حقيقة يجب ذكرها بصراحة. معهد "لاوي" الأسترالي (Lowy Institute) يقدم تحذيراً مهماً في تقريره لعام 2026 : "فكرة أن القوى المتوسطة تشكل مجموعة يمكنها العمل معاً بشكل مستدام وبطريقة منسقة هي أسطورة". فلكل من هذه الدول مصالحها الخاصة، وحلفاؤها التقليديون، وتحدياتها الجيوسياسية المختلفة
لنأخذ مثالاً بسيطاً ، الهند التي تسعى للاستقلال الاستراتيجي، تختلف جذرياً عن أستراليا التي ترتبط بتحالف عسكري وثيق مع واشنطن عبر اتفاقية AUKUS. تركيا قد تكون حليفاً في مجموعة D-8، لكنها في نفس الوقت عضو في الناتو وتشتبك مع روسيا في ملفات إقليمية حساسة كسوريا وليبيا. المكسيك نفسها، رغم سعيها للاستقلال عن واشنطن، تظل مرتبطة اقتصادياً وسياسياً بعلاقة لا يمكن فكها مع الولايات المتحدة
القاسم المشترك الوحيد بين هذه القوى المتوسطة هو النفور من الاختيار بين قطبين متصارعين، وهذا بالتأكيد قاسم مهم، لكنه لا يعني بالضرورة وجود رؤية مشتركة للتحديات العالمية، أو استراتيجية موحدة للتعامل مع الأزمات
تحديات إضافية :
· تباين الأولويات : تركز إندونيسيا على الاقتصاد الأزرق، تهتم المكسيك بملف الهجرة، وتركيا بالأمن الإقليمي
· التنافس الإقليمي : فبينما تتعاون الدول في مجموعة D-8، تتنافس تركيا وإيران وباكستان في مناطق نفوذ متقاطعة
· الضغوط الخارجية : القوى العظمى لن تقف مكتوفة الأيدي، بل ستحاول اختراق هذه التحالفات أو إضعافها عبر الإغراءات أو التهديدات
الخاتمة
هذه التحالفات المستقلة، من ميكتا إلى D-8، ليست مجرد أندية دبلوماسية جديدة تستهلك الوقت في الاجتماعات والتصريحات، بل هي إعلان موت "العالم الأحادي القطب" وتجاوز لمرحلة "عالم القطبين". العالم يقود اليوم نحو "عالم متعدد الأقطاب بلا نظام واضح"، حيث ستدار المصالح عبر شبكات مرنة ومتغيرة، وليس عبر تحالفات جامدة أو إيديولوجيات ثابتة
مستقبل الجغرافيا السياسية لن يكتبه واشنطن أو بكين فقط، بل سيكتبه كل من المكسيك وإندونيسيا وتركيا ونيجيريا، الذين تعلموا الدرس القائل : "إذا لم تكن على الطاولة، فأنت على القائمة". لن يكون عالمنا القادم منظماً ومرتباً كما كان في الحقبة الباردة، بل سيكون أكثر فوضوية، لكنه أيضاً أكثر عدالة وتمثيلاً من أي وقت مضى، حيث تُسمع أصوات الدول التي ظلت لعقود مجرد متفرجين في المسرح الدولي
أما عن سؤالنا الأخير : هل هذه التحالفات قادرة على الصمود أمام الضغوط الكبرى؟ يبدو أن الإجابة الأقرب إلى الواقع هي : نعم، لكن ليس كتحالفات جامدة، بل كشبكات مرنة، ستنهار بعض روابطها وتتغير أولوياتها، لكن الفكرة الأساسية وهي "رفض التبعية وصناعة المصالح المستقلة" هي فكرة جاءت لتبقى في عالم يبحث عن توازن جديد
المصادر والمراجع
1. World Economic Forum – "The Rise of Middle Powers in a Multipolar World", 2026
2. Lowy Institute – "Middle Powers and the Myth of Collective Action", 2026
3. Bloomberg – "Mexico's President Sheinbaum Stands Firm on Sovereignty", January 2026
4. Reuters – "Indonesia's Prabowo Pursues 'Thousand Friends' Diplomacy", 2025.
5. D-8 Official Website – "Indonesia's Presidency Priorities 2026"
6. MIKTA Official Statement – "Joint Communiqué of Foreign Ministers Meeting", February 2026
7. The Economist – "The Future of Global Governance: Who Rules the World?", 2026
8. Banco de México – "Economic Integration and Diversification Report", 2025.
9. Indonesian Ministry of Foreign Affairs – "Strategic Vision for the Global South", 2026.
10. Foreign Affairs Magazine – "The New Multipolar Order: Winners and Losers", 2025
Tags:
سياسة
