قصة عيسى ابن مريم عليه السلام في القرآن الكريم – من الميلاد العجيب إلى الرفع إلى السماء
قصة سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام كاملة من القرآن الكريم: الميلاد العجيب، المعجزات، رفع الله له، وبراءته مما نسبه إليه قومه. آيات وأدلة وتفاصيل
مقدمة : قصة نبي ولد بلا أب وأيده الله بالمعجزات
في بيت طاهر كانت تعيش السيدة مريم عليها السلام في عبادة خالصة لله، لا يشغلها شيء عن ذكره وطاعته. كانت من أحب الناس إلى الله، اصطفاها وطهّرها واختارها على نساء العالمين. كانت تخشع في محرابها، وتسبح الليل والنهار، وتلهج بذكر ربها في كل آن. لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها أعظم المفاجآت، وأن الله سيختارها لآية من آياته الكبرى، تأتي لما لم يخطر ببال بشر من قبل
فجاءها ما لم يخطر ببال بشر. في لحظة من لحظات الخلوة والعبادة، أرسل الله إليها المَلك جبريل عليه السلام، فتمثّل لها في صورة بشر كامل الخلقة، حسن الهيئة، ففزعت منه
بشارة جبريل بميلاد عيسى
قال تعالى :
﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ [مريم: 17]
فلما رأته السيدة مريم، استبشرت شرّاً وظنّت به سوءاً، فاستعاذت بالله منه، وقالت بخوف وتعفف :
﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 18]
فطمأنها جبريل عليه السلام، وأزال عنها الخوف، وبشّرها بالغلام الطاهر المبارك، وأخبرها أنها ستحمل بوليد عظيم دون أن يمسّها بشر :
﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴾ [مريم: 19]
فتعجّبت مريم من هذه البشرى. كيف يكون لها غلام ولم يتزوجها رجل، ولم تقترب من أحد، ولم تكن من ذوات الفواحش؟ إنها عفيفة طاهرة، فمن أين يأتي الولد؟
﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾ [مريم: 20]
فجاءها الجواب الإلهي الحاسم، يبيّن قدرة الله المطلقة على فعل ما يشاء، وأن الأمر إذا أراده الله فإنما يقول له "كن" فيكون :
﴿ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ﴾ [مريم: 21]
الحمل والمخاض تحت جذع النخلة
حملت مريم بعيسى – وهو حمل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. حمل دون أب، بخلاف آدم الذي خُلق من تراب دون أب وأم، وحواء التي خُلقت من ضلع آدم، أما عيسى فخلقه الله من أم فقط، لتظهر قدرته في أتم صورها
ولما كبر بها الحمل، واشتد بها الطلق، وضاق بها المكان، خافت من نظرات الناس وتكلمهم عليها بالباطل. فخرجت من بيت المقدس، وذهبت إلى مكان بعيد تنفرد فيه بنفسها، حتى أدركها المخاض تحت جذع نخلة يابسة في وادٍ قاحل
قال تعالى :
﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴾ [مريم: 23]
فناداها ربها من تحتها يواسيها ويطمئنها، وأمرها ألا تحزن. فقد هيأ الله لها الأسباب رغم الظروف الصعبة :
﴿ أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ [مريم: 24-26]
ففي هذا المشهد معجزتان اثنتان: الأولى أن النخلة اليابسة في الشتاء أخرجت رطباً جنياً، والثانية أن الماء العذب فاض من تحتها لتشرب وتستريح. وهذا كله لتؤكد الآيات أن الله مع الصابرين، وأن الفرج يأتي من حيث لا يحتسب
عيسى يتكلم في المهد
حين عادت مريم بوليدها إلى قومها تحمله بين ذراعيها، كانت تعلم أنها ستواجه اتهامات قاسية. فلما رأوها قالوا: "يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً. يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً"
فأشارت مريم إلى الطفل الرضيع، كأنها تقول: كلوهنيه. فتعجب القوم: كيف نكلم من هو في المهد صبياً؟ !
فكان الجواب أعظم من كل كلام. فتح الله لسان الرضيع ونطق بالحق :
﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ [مريم: 30-33]
هذه الآيات العظيمة تحتوي على عقيدة المسلمين في عيسى عليه السلام:
إنه عبد الله، وليس ابناً لله كما زعمت النصارى
آتاه الله الكتاب، وهو الإنجيل
جعله نبياً من أولي العزم
جعله مباركاً أينما حل
أوصاه بالصلاة والزكاة، وهما عماد الدين الإسلامي
كان باراً بأمه، لم يعقها ولم يتكبر عليها
السلام عليه في الولادة والموت والبعث
معجزات عيسى عليه السلام
أيّد الله عيسى عليه السلام بمعجزات لم تُعطَ لسواه من البشر، لتكون دليلاً على نبوته، وآياتٍ على قدرة الله. وقد ذكرها الله في كتابه العزيز :
﴿ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 49]
تفصيل معجزاته :
| المعجزة | الشرح |
|---|---|
| خلق الطير من الطين | كان يصنع من الطين تمثال طير، ثم ينفخ فيه فيطير بإذن الله |
| إبراء الأكمه | شفاء من ولد أعمى |
| إبراء الأبرص | شفاء من مرض الجذام المستعصي |
| إحياء الموتى | كان يخرج الأموات من قبورهم بإذن الله |
| الإخبار بالمغيبات | يخبر الناس بما أكلوا وما ادخروه في بيوتهم |
دعوة عيسى إلى التوحيد الخالص
لم تكن رسالة عيسى عليه السلام سوى التوحيد الخالص. لقد جاء ليصحّح العقيدة التي انحرفت، وليدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده، وليؤكد أن النبوة لا تعني الألوهية. فقد أعلن منذ البداية أنه عبد الله ورسوله، وأن عبادة الله وحده هي جوهر دعوته :
﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ [مريم: 36]
وأكّد أنه لم يأمر الناس قط بعبادته أو عبادة أمه، وأن ذلك لا يليق بنبيٍّ أوتي الكتاب والحكمة :
﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 79]
بل إنه يوم القيامة سيتبرأ أمام الله من كل من غلا فيه وادّعى أنه أمرهم بعبادته. وسيقول الله له يوم القيامة: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟" فيجيب عيسى بنفي ذلك، ويعلن أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به :
﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ [المائدة: 117]
طلب الأنصار ومكر الأعداء
لما أحسّ عيسى عليه السلام بالكفر من بني إسرائيل، وتآمروا على قتله، أعلن موقفه وطلب الأنصار لله. فكانت المفاجأة أن جماعة قليلة من الحواريين آمنوا به ونصروه :
﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 52]
ومكر به أعداؤه يريدون قتله وصلبه. ذهبوا إلى الحاكم الروماني، وأخبروه أن عيسى يدّعي الملك ويثير الفتنة، فطلبوا إعدامه. ولكن الله ردّ مكرهم عليهم :
﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 54]
ثم جاء الوعد الإلهي بحفظه ورفعه قبل أن تطالَه أيديهم :
﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران: 55]
دعاء المائدة
ومن المعجزات العظيمة التي سألها الحواريون وطلبها عيسى من ربه، نزول المائدة من السماء. قال الحواريون: يا عيسى، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ فقال لهم: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا نريد أن نأكل منها، وتطمئن قلوبنا، ونعلم أنك صدقتنا
فدعا عيسى ربه بهذا الدعاء العظيم :
﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [المائدة: 114]
فاستجاب الله دعاءه، وأنزل عليهم المائدة، وكانت من آيات الله البينات
رفع عيسى إلى السماء
لم يُصلب عيسى عليه السلام كما ادّعى أعداؤه، ولم يقتلوه. بل شُبّه لهم، ورفعه الله إليه كرامةً له وحفظاً من أعدائه. هذه الحقيقة القرآنية القاطعة التي يختلف فيها المسلمون مع النصارى :
﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 157-158]
وتؤكد الروايات الصحيحة أن عيسى عليه السلام سينزل إلى الأرض في آخر الزمان، حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويقاتل الدجال، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً
حقيقة عيسى عليه السلام في القرآن
في ختام قصته العظيمة، يجمع القرآن الكريم حقيقة عيسى عليه السلام في آية واحدة جامعة ترد على من غلا فيه ومن جحده :
﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59]
فكما خلق الله آدم من تراب من غير أب ولا أم، خلق عيسى من أم بلا أب. والقدرة الإلهية واحدة
وقال تعالى :
﴿ ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ [مريم: 34]
فهذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها: نبيٌّ كريم، وعبدٌ صالح، وكلمة الله ألقاها إلى مريم، وروح منه. هذا هو عيسى ابن مريم عليه السلام في عقيدة المسلمين
المصادر والمراجع
القرآن الكريم – سورة آل عمران، سورة مريم، سورة النساء، سورة المائدة
تفسير ابن كثير – تفسير آيات قصص الأنبياء (دار طيبة للنشر والتوزيع)
تفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن (مؤسسة الرسالة)
البداية والنهاية – للإمام عماد الدين ابن كثير (قصة عيسى ابن مريم)
قصص الأنبياء – لابن كثير (دار الكتب العلمية)
صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى "واذكر في الكتاب مريم"
صحيح مسلم – كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حكماً مقسطاً
السيرة النبوية – لابن هشام (الجزء المتعلق ببشارة عيسى بمحمد عليهما السلام)
الدر المنثور – للسيوطي (جمع الأحاديث والآثار في التفسير)
