قصة النبي موسى عليه السلام
في قلب مصر الفرعونية ، حيث كان الظلم يسري في عروق الأرض كما يسري الماء في النهر، وُلد طفلٌ ستُغيّر بسمته الأولى مسار التاريخ ، كانت مصر آنذاك تحت حكم فرعون الذي أسكر السلطةُ عقله، فادّعى الربوبية وأذلّ بني إسرائيل بأشنع صور العبودية
وكان فرعون قد أرعبه حلمٌ أو نبوءة تقول إن مولوداً من بني إسرائيل سيكون سبب زوال ملكه، فأصدر أمراً جهنمياً : ذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
(القصص: 4)
في هذا الجو الملبّد بالخوف، وُلد موسى عليه السلام ، ووقفت أمه تحمله وتنظر إليه ، فرأت فيه كل شيء، ورأت في العالم حولها خطراً داهماً. لكن الله لم يتركها وحدها
التابوت والنيل.. الإيمان يتحدّى المستحيل
أوحى الله إلى قلب الأمّ بما يبدو للعقل المجرّد ضرباً من الجنون: أرضعيه ثم ألقيه في النهر! كيف تُلقي أمٌّ وليدَها في الماء؟ لكنها الثقة بالله حين يبلغ اليقين ذروته.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
(القصص: 7)
وضعته في تابوت، وأسلمته لأمواج النيل، وأمرت ابنتها الكبرى أن تتبع أثره من بعيد. وتدفّق النيل بالطفل النائم في صدر التابوت، حتى رسا بساحل القصر الفرعوني نفسه! كأن القدر أراد أن يقول لفرعون: "ها هو الذي تخشاه يأتيك إلى عقر دارك."
التقطه آل فرعون، فوقعت عليه عين امرأة فرعون آسية، فأشرق قلبها بمحبته وهي لا تدري لماذا. فلما أراد فرعون قتله صاحت:
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
(القصص: 9)
وهنا تظهر سخرية قدر الله العظيمة : فرعون الذي أمر بذبح أطفال بني إسرائيل، يُربّي بنفسه الطفلَ الذي سيكون سبب هلاكه
بقي موسى الرضيع يبكي ويرفض كل مرضعة ، وكأن قلبه الصغير يعرف من أين جاء ولمن ينتمي ، وهنا جاء دور الأخت الذكية :
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
(القصص: 11)
اقتربت الأخت وقالت بهدوء ، هل تريدون مرضعة تكفله؟ وأحضرت أمه. فلما لامس حلمة أمه شفتيه، هدأ فوراً وفي لحظة واحدة تحققت المعادلة المستحيلة: الطفل في قصر فرعون، وأمه تُرضعه بأجر من خزينة فرعون
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(القصص: 13)
نشأ موسى عليه السلام في القصر، لكن بذرة الإيمان كانت تنمو في قلبه ، فلما بلغ أشدّه ووهبه الله الحكمة والعلم، خرج يوماً فوجد رجلاً من بني إسرائيل يستغيث برجل من القبط ، ثارت نخوة موسى فتدخّل:
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾
(القصص: 15)
لم يقصد موسى القتل، لكن القدر أراد أن تنكسر تلك القشرة الترفية التي نشأ فيها. ندم ندماً صادقاً واستغفر ربه:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(القصص: 16)
لكن الخبر تسرّب، وأصبح موسى مطلوباً ، وجاءه رجل مسرعاً يحذّره :
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾
(القصص: 20)
الفرار إلى مدين.. والغريب الذي وجد بيتاً
فرّ موسى من مصر كلها وفي قلبه دعاء مضيء
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
(القصص: 21)
وصل مدين غريباً وحيداً جائعاً. ووجد عند بئر الماء جمعاً من الناس يسقون، وفي طرف البئر فتاتين تنتظران. فسألهما بلطف عن حالهما، فأجابتا أنهما تنتظران حتى ينصرف الرجال، وأن أباهما شيخٌ كبير ، لم يتردد موسى، فسقى لهما قطيعهما ثم تولّى إلى الظل
﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
(القصص: 24)
ما أجمل هذا الدعاء ، لم يطلب شيئاً بعينه ، بل اعترف بفقره بين يدي الله
جاءت إحدى الفتاتين بحياء تدعوه لمقابلة أبيها ، ولما عرض عليه الشيخ الكريم أن يتزوج إحدى ابنتيه مقابل أن يعمل عنده ثماني سنوات أو عشراً، رأى موسى في ذلك رحمة الله وخروجاً من ضيق الغربة
﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾
(القصص: 2)
قضى موسى الأجل وانتهت سنوات مدين ، وفي طريق العودة إلى مصر، وسط ظلام ليلٍ بارد، رأى ناراً بعيدة ، قال لأهله : امكثوا، لعلي آتيكم بخبر أو بجذوة من النار تدفؤون فلما اقترب منها :
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾
(طه: 11-12)
توقّف لموسى الكون ، وقف أمام الله مباشرة ، وأعلن الله له رسالته :
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
(طه: 13-14)
ثم أعطاه الله معجزتين خارقتين: العصا التي تنقلب ثعباناً، واليد البيضاء المضيئة. وطلب موسى من الله بتواضع الكبار أن يُعينه بأخيه هارون:
﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾ هَارُونَ أَخِي﴾
(طه: 29-30)
جاء موسى وهارون إلى فرعون يحملان الرسالة الإلهية وتصوّر هذا المشهد : راعٍ ترك مصر مطروداً خائفاً، يعود اليوم إلى أقوى ملوك الأرض يقول له: أرسل معي بني إسرائيل
تعجّب فرعون وسخر:
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾
(الشعراء: 18)
فردّ موسى بكل ثقة وحجة. وحين طلب فرعون الدليل، ألقى موسى عصاه فصارت ثعباناً حقيقياً، وسحب يده فإذا هي بيضاء تتلألأ. فلجأ فرعون إلى سلاح الطغاة الأزلي: السحرة
جُمع السحرة من كل أرجاء مصر، وحُشد الناس ليشهدوا وقف السحرة بعصيّهم وحبالهم ، وألقوها فملأت الميدان أفاعي. ثم ألقى موسى عصاه الواحدة :
﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾
(الشعراء: 45)
ابتلعت عصا موسى كل ثعابينهم. ولحظتها، فعل السحرة ما لم يتوقعه أحد : وقعوا ساجدين ، عرفوا حين رأوا أن هذا ليس سحراً، وأن السحر لا يبتلع السحر هكذا :
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾
(الشعراء: 47-48)
هدّدهم فرعون بالقطع والصلب، فما ارتدّوا. دخلوا الميدان سحرةً خُدّام الطاغوت، وخرجوا منه شهداء على طريق الحق.
أرسل الله على مصر آياتٍ متتالية لعل فرعون يُبصر: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
(الأعراف: 130)
في كل مرة كان العذاب يشتدّ يتضرّع فرعون لموسى أن يرفعه، وعدهم بالإيمان وإرسال بني إسرائيل. فإذا رُفع العذاب نكث وعاد إلى طغيانه
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾
(الأعراف: 135)
أوحى الله لموسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً في سرية تامة. وفرّت القافلة الكبيرة في الظلام. فلما أحسّ فرعون أدرك أن ملكه يفلت من يده، فجمع جيشه وانطلق في الملاحقة
فجر يوم التاريخي ، أبصر بنو إسرائيل البحر أمامهم وجيش فرعون خلفهم ، صرخوا أُدركنا! فقال موسى بثقة المؤمن
﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
(الشعراء: 62)
وأوحى الله له أن يضرب البحر بعصاه فانفلق البحر العظيم، وصار طريقاً يابساً من طرفين كالجبلين
﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾
(الشعراء: 63)
عبر موسى وبنو إسرائيل. وحين دخل فرعون وجيشه البحر خلفهم، أطبق عليهم الماء:
﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾
(البقرة: 50)
وفي اللحظة الأخيرة، حين أيقن فرعون بالموت، صرخ:
﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
(يونس: 90)
إيمان الاضطرار. فجاءه الجواب الإلهي
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
(يونس: 91)
بعد النجاة ، ذهب موسى إلى ميقاته مع الله أربعين ليلة في سيناء. وفي غيابه، اغترّ بنو إسرائيل واتخذوا العجل الذهبي إلهاً. فلما عاد موسى ورأى ما فعلوا، اشتدّ غضبه حتى أمسك بلحية أخيه هارون. وكان عتابه لهم شديداً
ثم عاد إلى ربه طالباً المغفرة لقومه :
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
(الأعراف: 151)
وفي تلك المناجاة العجيبة، طلب موسى ما لم يطلبه أحد قبله:
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾
(الأعراف: 143)
فكان الجواب :
﴿قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾
(الأعراف: 143)
موسى عليه السلام لم يكن مجرد نبيٍّ يروي قصة، بل كان ظاهرة إنسانية كاملة: طفلٌ ألقته أمه في النهر خوفاً فأعاده الله إليها كرامةً، وشابٌّ فرّ خائفاً فعاد بإذن الله مرسَلاً، وراعٍ تحوّل إلى قائد حرّر أمةً بإذن الله ، كليم الله الذي شرّفه الله بأن ناداه مباشرة
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾
(النساء: 164)
وكان من أولي العزم من الرسل، الذين قال الله فيهم :
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
(الأحقاف: 35)
قصة موسى ليست تاريخاً يُقرأ، بل درسٌ أبدي أن الله مع الضعفاء حين يثقون به، وأن الطغيان مهما عظم فنهايته في قاع البحر
رُفع موسى عليه السلام إلى رحمة الله بعد مسيرة حافلة بالابتلاء والثبات والعطاء، وبقيت رسالته نوراً في التوراة ، وذكره خالداً في
القرآن الكريم إلى يوم القيامة
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
تفسير ابن كثير – تفسير آيات قصص الأنبياء (دار طيبة للنشر والتوزيع)
تفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن (مؤسسة الرسالة)
البداية والنهاية – للإمام عماد الدين ابن كثير
قصص الأنبياء – لابن كثير (دار الكتب العلمية)
صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء،"
صحيح مسلم – كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حكماً مقسطاًا
Tags:
دين
