قصة سيدنا يوسف عليه السلام – "أَحْسَنُ الْقَصَصِ" .. من الرؤيا إلى العرش
قصة سيدنا يوسف عليه السلام كاملة من القرآن: من رؤيا الأطفال إلى العرش في مصر. الحسد، البئر، السجن، الصبر، العفو، وتفاصيل أحسن القصص
مقدمة: قصة سماها الله بنفسها "أحسن القصص"
هل تعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى قصة نبيه يوسف بنفسه "أحسن القصص"؟ قصة فريدة في القرآن الكريم نزلت كاملة في سورة واحدة تحمل اسمه، لم تتقطع على فترات مختلفة، بل نزلت دفعة واحدة لتكون عبرة وعظة لكل من يسمعها
قصة فيها الحسد والخيانة والكيد والسجن والصبر الجميل والنصر المبين.. قصة تبدأ بطفل يُلقى في قاع بئر مظلم، وتنتهي بملك عظيم يجلس على عرش مصر، ويأتمر بأمره إخوته الذين كانوا سبب معاناته
قال الله تعالى :
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]
تعالَ معي نعيش هذه القصة العظيمة، خطوة بخطوة، آية بآية
أولاً: النسب الشريف – أربعة أنبياء في سلسلة واحدة
سيدنا يوسف عليه السلام ليس نبياً عادياً. إنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام جميعاً. أربعة أنبياء كرام في سلسلة نسب واحدة، وهذا شرف عظيم لا يوصف، ولا يجتمع لأي نبي آخر بهذا التسلسل
إبراهيم عليه السلام: خليل الله وأبو الأنبياء
إسحاق عليه السلام: ابن إبراهيم، وأبو يعقوب
يعقوب عليه السلام: الملقب بإسرائيل، وأبو الأسباط
يوسف عليه السلام: ابن يعقوب، وصاحب القصة
قال الله تعالى على لسان يعقوب ليوسف :
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: 6]
ثانياً: الرؤيا التي غيّرت كل شيء
ذات يوم، جاء يوسف الصغير – وكان عمره نحو اثنتي عشرة سنة – إلى أبيه يعقوب يحمل رؤيا عجيبة لم يرَ مثلها من قبل:
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]
تفسير الرؤيا :
أحد عشر كوكباً: إخوته الأحد عشر (كان له اثنا عشر أخاً، أحدهم شقيقه بنيامين)
الشمس: يعقوب أبوه
القمر: أمه (واختلف في اسمها، فقيل: راحيل، وقيل: ليلى)
فهم يعقوب النبي عليه السلام فوراً أن ابنه سيكون عظيماً، وأن الله سيعلو قدره حتى يسجد له إخوته وأبواه تعظيماً وتكريماً، لا سجود عبادة بل سجود تحية كان جائزاً في شرائعهم
لكنه خاف عليه من حسد إخوته، فقال له بقلب يفيض حباً وحناناً :
﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: 5]
ثالثاً : الحسد والمؤامرة – بداية المحنة
كان يوسف أحبَّ أبنائه إلى قلب أبيه يعقوب، وهو طفل صغير جميل الخَلق والخُلق، بالإضافة إلى ما رآه أبوه من علامات النبوة والفضل فيه. وهذا ما أشعل نار الحسد في قلوب إخوته الأحد عشر، فاجتمعوا وتشاوروا
قالوا فيما بينهم :
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8]
والعصبة: الجماعة القوية التي تتراوح بين العشرة إلى الأربعين. وكانوا يظنون أن كثرة العدد تستوجب المحبة، وهذا خطأ شائع يقع فيه كثير من الناس
اقتراح القتل :
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 9]
أراد بعضهم القتل والإبادة، ولكن الرأي الأكثر رحمة – إن صحت التسمية – جاء من أحدهم وهو يهوذا :
﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: 10]
رابعاً: في قاع البئر – الظلمة والوعد الإلهي
ذهب الإخوة إلى أبيهم يعقوب، وطلبوا منه الإذن بأخذ يوسف معهم ليلعب ويستأنس :
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: 11]
وبعد إلحاح وإصرار، أذن لهم يعقوب وهو غير مرتاح القلب :
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: 13]
فلما أخذوه، لم يلتزموا بوعدهم، بل ألقوه في غيابة الجب – أي في قاع البئر العميق المظلم
لكن الله لم يترك نبيه وحده في قاع الظلمة! فأوحى إليه – وهو في تلك الورطة – رسالة فيها وعد عظيم :
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: 15]
ثم رجع الإخوة إلى أبيهم يبكون بكاءً مصطنعاً، وأتوا بقميص يوسف ملطخاً بدم كذب (ذبحوا شاة ولوثوا القميص بدمها) :
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: 16-17]
فكان جواب يعقوب النبي الصابر بقلب مثقل بالحزن:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
خامساً: من البئر إلى القصر – قدر الله النافذ
مرّت قافلة تجارية متجهة إلى مصر، فأرسلوا أحدهم ليستقي الماء من البئر. فلما أخرج دلوه، وجد يوسف متعلقاً به!
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: 19]
باعوه – أي الإخوة الذين كانوا لا يزالون قريباً – بثمن بخس جداً :
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: 20]
وصول يوسف إلى مصر :
اشتراه عزيز مصر – وهو كبير وزراء الملك – وقال لزوجته (التي يُقال إن اسمها "زليخة") :
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]
سادساً : الفتنة والعفة – "مَعَاذَ اللَّهِ
شبّ يوسف وأصبح شاباً جميلاً بديعاً. يقول المفسرون: إنه أوتي شطر الحسن، أي نصف جمال البشر! فراوَدته امرأة العزيز عن نفسه
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23]
هرب يوسف منها إلى الباب، فتعلقت بقميصه من الخلف وشقّته :
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]
كشف الحقيقة :
كانت ذكية في اتهامها ليوسف، لكن الله أقام لها شاهداً من أهلها قال :
﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 26-27]
فلما رأى العزيز القميص مقطوعاً من الخلف، عرف براءة يوسف، وقال لزوجته: إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
انتشار الخبر في المدينة :
بدأت نساء المدينة يتحدثن عن جمال يوسف وقصة امرأة العزيز معه، فدعتهن إلى وليمة، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً لتقطيع الفاكهة، ثم أمرت يوسف بالخروج عليهن
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31]
سابعاً: السجن – الصبر الأجمل
مع أن براءة يوسف ثبتت أمام الجميع، إلا أن العزيز رأى أن السجن هو الحل الوحيد لإخماد الفضيحة التي قد تطال سمعة بيته :
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [يوسف: 35]
لم يدخل يوسف السجن مكسوراً أو يائساً، بل دخله داعياً إلى الله، رافعاً راية التوحيد في المكان الأكثر ظلمة وقسوة :
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]
وقال بثقة المؤمن الصابر :
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]
تأويل الأحلام في السجن :
دخل معه السجنَ فتيان: ساقي الملك وخبازه. رأى كل منهما رؤيا :
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]
أوّلهما يوسف: الساقي سيعود إلى منصبه، والخباز سيُصلب. ثم قال للساقي :
﴿وَظَنَّ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: 45]
لكن الساقي نسي أن يذكره عند الملك، فمكث يوسف في السجن بضع سنين
ثامناً: رؤيا الملك والخروج من السجن
بعد سنين، رأى ملك مصر رؤيا أفزعته :
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43]
عجز الكهنة والوزراء عن تأويلها، فتذكر الساقي يوسف في السجن، فذهب إليه
تأويل يوسف :
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: 47]
إصرار يوسف على إثبات براءته :
طلب الملك إحضار يوسف من السجن، لكن يوسف رفض الخروج قبل أن يُحقَّق في قضيته وتثبت براءته علناً :
﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 50]
اعترفت امرأة العزيز أمام الملك بالحقيقة :
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 51]
تاسعاً: على عرش مصر – التمكين بعد المحنة
خرج يوسف من السجن بريئاً معززاً مكرماً. ثم طلب من الملك أن يوليه على خزائن الأرض:
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]
فمكّن الله له في الأرض:
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 56]
عاشراً: لقاء الإخوة وفراسة يوسف
جاء الجفاف والقحط، فجاء إخوة يوسف إلى مصر يطلبون الطعام، ولم يعرفوه :
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف: 58]
أكرمهم يوسف، وأمر بحبس أخيه بنيامين بحيلة ليبقى عنده. ثم عاد الإخوة إلى أبيهم يعقوب وهو حزين على فراق بنيامين
حادي عشر: حزن يعقوب وصبره – دروس في التوكل
ظل يعقوب عليه السلام يبكي يوسف وبنيامين سنين طويلة حتى ابيضّت عيناه من شدة البكاء :
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]
لكنه لم يفقد الأمل في رحمة الله أبداً :
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]
ثاني عشر: لحظة الكشف الكبرى – "أَنَا يُوسُفُ
عاد الإخوة إلى يوسف للمرة الثالثة، وهم في ضائقة عظيمة، فناشدوه بالصدقة. لم يتحمل يوسف أكثر من ذلك :
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: 89]
لحظة صعقة ومفاجأة كبرى :
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]
ثم جاء العفو العظيم الذي يبكي الحجر :
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]
ثالث عشر: لمّ الشمل وتحقق الرؤيا
أرسل يوسف قميصه مع الإخوة إلى أبيه :
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: 93]
وما إن وصل القميص وألقي على وجه يعقوب حتى عاد إليه بصره :
﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: 96]
تحقق الرؤيا بعد حوالي 40 سنة :
دخل الوالدان والإخوة على يوسف في مصر، فرفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً تحية وإكراماً :
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: 100]
رابع عشر: دعاء يوسف الختامي
عند تمام النعمة، رفع يوسف يديه إلى السماء داعياً بأجمل دعاء:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]
خاتمة : الدروس المستفادة من "أحسن القصص
١. الصبر مفتاح الفرج
من قاع البئر إلى قاع السجن إلى قمة العرش.. الصبر الجميل لم يخذل يوسف قط
٢. العفو قوة لا ضعف
عفا يوسف عن إخوته الذين ألقوه في البئر وباعوه عبداً، لأن الكبار لا يثأرون
٣. لا تيأس من رحمة الله
يعقوب ظل يأمل بعودة يوسف حوالي 40 سنة، ولم ييأس أبداً
٤. التقوى درع واقية
نجاه الله من فتنة امرأة العزيز لأنه آثر رضا الله على شهوته
٥. لله حكمة في كل ابتلاء
كل ما مر به يوسف – الحسد، البئر، الرق، السجن – كان طريقاً لعرش مصر
٦. إياك والحسد
الحسد أكل حسنات إخوة يوسف، وأوصلهم إلى الخيانة والكذب
٧. العلم نور في الظلمات
علم يوسف بتأويل الأحلام كان سبب خروجه من السجن ووصوله إلى المل
المصادر والمراجع
القرآن الكريم – سورة يوسف كاملة، وآيات من سورتي آل عمران والنساء
تفسير ابن كثير – تفسير سورة يوسف (دار طيبة للنشر والتوزيع)
تفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن (مؤسسة الرسالة)
البداية والنهاية – للإمام عماد الدين ابن كثير (قصة يوسف عليه السلام)
قصص الأنبياء – لابن كثير (دار الكتب العلمية)
تفسير القرطبي – الجامع لأحكام القرآن (سورة يوسف)
تفسير السعدي – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان
صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يوسف عليه السلام
الدر المنثور – للسيوطي (جمع الأحاديث والآثار في تفسير سورة يوسف)
زاد المسير – لابن الجوزي (تفسير سورة يوسف)
