كيف يتم التلاعب بعقولنا على مواقع التواصل الاجتماعي ؟


كيف يتم التلاعب بعقولنا على مواقع التواصل الاجتماعي؟ فهم الخوارزميات وتأثيرها على سلوك الأفراد 

كيف تؤثر خوارزميات فيسبوك وإنستغرام وتيك توك في طريقة تفكيرنا وقراراتنا؟ اكتشف آليات عملها، وتأثيرها النفسي، وكيف تحمي نفسك من التلاعب بالمحتوى الرقمي

مقدمة

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، إذ يستخدمها مليارات الأشخاص حول العالم للتواصل، ومتابعة الأخبار، والتعلم، والترفيه، والتسوق وتشير الإحصاءات إلى أن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عالميًا تجاوز 5 مليارات مستخدم، يقضي المستخدم العادي أكثر من ساعتين يوميًا في تصفح هذه المنصات

لكن هل سبق أن تساءلت لماذا يظهر لك نوع معين من المنشورات باستمرار؟ ولماذا تقضي وقتًا أطول مما كنت تنوي داخل التطبيق؟ وهل ما تشاهده يمثل الصورة الكاملة للواقع، أم أنه مجرد جزء اختارته لك خوارزميات معقدة ؟

الإجابة تكمن في أن منصات مثل فيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك، ويوتيوب لا تعرض المحتوى بصورة عشوائية، بل تعتمد على أنظمة ذكية تُعرف باسم الخوارزميات، وهي برامج مصممة لتحليل سلوك المستخدم وترتيب المحتوى وفقًا لاحتمال تفاعله معه ، ولا يعني ذلك أن هذه الخوارزميات "تتحكم" بعقول الناس بشكل كامل، لكنها تؤثر في نوعية المعلومات التي تصل إليهم، وهو ما قد ينعكس على آرائهم واهتماماتهم وسلوكهم مع مرور الوقت

ما هي الخوارزميات؟

الخوارزمية هي مجموعة من التعليمات البرمجية التي تساعد الحاسوب على اتخاذ قرارات تلقائية بناءً على البيانات المتوفرة ، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، تتمثل مهمتها الأساسية في اختيار المنشورات ومقاطع الفيديو والإعلانات التي يُرجح أن تثير اهتمام المستخدم، بهدف تحسين تجربته وزيادة تفاعله مع المنصة

ولتحقيق ذلك، تحلل الخوارزميات مئات الإشارات، مثل:

- المنشورات التي تتفاعل معها باستمرار
- مدة مشاهدتك لكل فيديو
- الحسابات التي تتابعها
- التعليقات التي تكتبها
- نوعية المحتوى الذي تشاركه مع الآخرين
- أوقات استخدامك للتطبيق

وبناءً على هذه البيانات، تُرتب المنصة المحتوى بطريقة تختلف من مستخدم إلى آخر، لذلك قد يشاهد شخصان يستخدمان التطبيق نفسه محتوى مختلفًا تمامًا

لماذا تهتم المنصات بوقت بقائك داخل التطبيق؟

تعتمد معظم شركات التواصل الاجتماعي على نموذج اقتصادي يقوم بدرجة كبيرة على الإعلانات الرقمية ،
وكلما زاد الوقت الذي يقضيه المستخدم داخل المنصة، زادت فرص مشاهدة الإعلانات والتفاعل معها، وهو ما ينعكس على إيرادات الشركة 

لهذا السبب، تعمل الخوارزميات على عرض المحتوى الذي يُتوقع أن يحافظ على اهتمام المستخدم، سواء كان هذا المحتوى تعليميًا، أو ترفيهيًا، أو إخباريًا، أو رياضيًا ،
ومن المهم الإشارة إلى أن الهدف الأساسي للخوارزمية ليس بالضرورة نشر معلومات مضللة، بل زيادة التفاعل. إلا أن المحتوى المثير للدهشة أو الجدل أو العاطفة قد يحقق معدلات تفاعل أعلى، ولذلك قد يحصل أحيانًا على انتشار أكبر

كيف تتعلم الخوارزمية اهتماماتك؟

يمكن تشبيه الخوارزمية بمساعد شخصي يراقب أنماط استخدامك باستمرار ، فإذا شاهدت عدة مقاطع عن الاستثمار، فستقترح عليك المزيد من المحتوى الاقتصادي
وإذا بدأت بمتابعة مقاطع عن السفر، فستظهر لك حسابات لفنادق وشركات طيران وصناع محتوى في المجال نفسه
وكل تفاعل جديد يمنح الخوارزمية معلومات إضافية تساعدها على تحسين توقعاتها بشأن المحتوى الذي قد يلفت انتباهك ، لهذا السبب، قد تشعر أحيانًا بأن المنصة "تعرفك" جيدًا، بينما هي في الواقع تعتمد على تحليل مستمر لبيانات الاستخدام وليس على قراءة أفكارك

فقاعة المعلومات... عندما ترى جزءًا من الواقع فقط

من الظواهر التي ناقشها الباحثون خلال السنوات الأخيرة ما يُعرف باسم فقاعة المعلومات (Filter Bubble) أو غرفة الصدى (Echo Chamber)

وتحدث هذه الظاهرة عندما تعرض الخوارزمية للمستخدم محتوى يتوافق بدرجة كبيرة مع اهتماماته وآرائه السابقة، بينما تقل فرص ظهور وجهات النظر المختلفة ، ومع مرور الوقت، قد يشعر المستخدم أن معظم الناس يشاركونه الرأي نفسه، في حين أن الواقع قد يكون أكثر تنوعًا

ولا يعني ذلك أن جميع المستخدمين يقعون داخل هذه الفقاعة، لكن العديد من الدراسات تشير إلى أن التخصيص المستمر للمحتوى قد يقلل من التعرض لوجهات النظر المختلفة في بعض الحالات

لماذا ينتشر المحتوى العاطفي بسرعة؟

تشير أبحاث في علم النفس والإعلام الرقمي إلى أن الإنسان يتفاعل بطبيعته مع المحتوى الذي يثير مشاعر قوية، مثل الدهشة، أو الخوف، أو الغضب، أو الفرح ، ولأن منصات التواصل تعتمد بدرجة كبيرة على معدلات التفاعل، فإن المحتوى الذي يحصد تعليقات ومشاركات كثيرة قد يحصل على انتشار أوسع

ولهذا تنتشر أحيانًا :

- العناوين المبالغ فيها
- الأخبار غير المؤكدة
- المقاطع المثيرة للجدل
- المحتوى الذي يركز على الصدمة أو الإثارة

لكن الانتشار الواسع لا يعني دائمًا أن المعلومة صحيحة، لذلك يبقى التحقق من المصادر خطوة أساسية قبل تصديق أي خبر أو مشاركته

الإدمان الرقمي... لماذا يصعب علينا ترك الهاتف؟

إذا سبق لك أن فتحت هاتفك "لدقيقة واحدة" ثم اكتشفت أنك قضيت نصف ساعة أو أكثر في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فأنت لست وحدك. فهذه المنصات صُممت لتشجع المستخدم على العودة إليها باستمرار

ومن أبرز الوسائل التي تعتمد عليها:

- التمرير اللانهائي (Infinite Scroll): حيث تستمر المنشورات في الظهور دون نهاية واضحة، مما يجعل التوقف أصعب من قراءة كتاب أو مشاهدة برنامج له بداية ونهاية
- الإشعارات: إذ تعمل التنبيهات المتكررة على جذب انتباه المستخدم وإعادته إلى التطبيق
- الإعجابات والتعليقات: تمثل نوعًا من التغذية الراجعة الاجتماعية، التي قد تشجع المستخدم على العودة لمعرفة من تفاعل مع منشوراته

ويشير علماء النفس إلى أن هذه العناصر قد تنشط أنظمة المكافأة في الدماغ، خصوصًا عندما يحصل المستخدم على تفاعلات غير متوقعة. ومع ذلك، تختلف درجة التأثير من شخص لآخر، ولا يعني ذلك أن جميع المستخدمين سيطورون سلوكًا إدمانيًا

المقارنة الاجتماعية... عندما تصبح حياة الآخرين معيارًا لحياتك

من أكثر الآثار النفسية شيوعًا على وسائل التواصل الاجتماعي ميل بعض المستخدمين إلى مقارنة حياتهم اليومية بما يشاهدونه على الإنترنت ، لكن المشكلة أن معظم المحتوى المنشور يعرض اللحظات الإيجابية فقط، مثل السفر، والنجاحات، والمناسبات السعيدة، بينما نادرًا ما تُعرض التحديات والإخفاقات

وقد يؤدي ذلك لدى بعض الأشخاص إلى الشعور بأن الآخرين يعيشون حياة مثالية، مما قد ينعكس على الرضا عن الذات أو تقديرها، خاصة عند الاستخدام المفرط ، ولهذا ينصح الخبراء بتذكر أن ما نراه على الإنترنت يمثل في الغالب جزءًا مختارًا من حياة الآخرين، وليس الصورة الكاملة

الذكاء الاصطناعي... المحرك الجديد للمحتوى

أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دورًا متزايدًا في عمل منصات التواصل الاجتماعي

فهي تساعد على :

- اقتراح المحتوى الذي قد يهم المستخدم
- اكتشاف المحتوى المخالف للسياسات
- تحسين ترتيب المنشورات
- تقديم توصيات أكثر دقة بمرور الوقت

ومع تطور هذه التقنيات، أصبحت الخوارزميات أكثر قدرة على فهم أنماط الاستخدام، وهو ما يجعل تجربة كل مستخدم مختلفة عن الآخر

كيف تحمي نفسك من التأثير السلبي للخوارزميات؟

رغم أن الخوارزميات أصبحت جزءًا من حياتنا الرقمية، فإن المستخدم لا يزال قادرًا على تقليل تأثيرها من خلال بعض العادات البسيطة :

- احرص على متابعة مصادر متنوعة، ولا تعتمد على مصدر واحد للأخبار
- تحقق من المعلومات قبل مشاركتها، خاصة إذا كانت مثيرة للجدل
- خصص أوقاتًا محددة لاستخدام وسائل التواصل، وتجنب التصفح العشوائي لساعات طويلة
- استخدم أدوات إدارة وقت الشاشة المتوفرة في الهاتف.
- اقرأ الكتب والمقالات الطويلة من حين لآخر، لأنها تساعد على تنويع مصادر المعرفة
- اسأل نفسك دائمًا: لماذا يظهر لي هذا المحتوى؟ وهل يعكس الواقع فعلًا أم أنه مجرد محتوى اختارته الخوارزمية بناءً على سلوكي السابق؟

إن هذه الأسئلة البسيطة قد تجعل استخدامك لوسائل التواصل أكثر وعيًا واتزانًا

أظن أنه لا ينبغي النظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي على أنها أدوات ضارة بطبيعتها، ولا على أنها أدوات محايدة تمامًا فهي تقنيات قوية يمكن أن تُستخدم للتعلم، وبناء العلاقات، ومتابعة الأخبار، واكتساب المهارات، لكنها قد تصبح مصدرًا للمعلومات المضللة أو لإهدار الوقت إذا استخدمت دون وعي

وأعتقد أن المسؤولية مشتركة؛ فالمنصات مطالبة بتحسين الشفافية وتقليل انتشار المحتوى المضلل، وفي المقابل يتحمل المستخدم مسؤولية التحقق من المعلومات، وتنويع مصادره، وعدم الاكتفاء بما تقترحه عليه الخوارزميات
فالوعي الرقمي لم يعد مهارة إضافية، بل أصبح ضرورة في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة

الخاتمة

لقد غيّرت مواقع التواصل الاجتماعي الطريقة التي نتواصل بها ونتعلم ونتابع الأخبار، لكنها في الوقت نفسه غيرت الطريقة التي يصل بها المحتوى إلينا ، فالخوارزميات لا تقرر ما نفكر فيه بشكل مباشر، لكنها تؤثر في نوعية المعلومات التي نراها، وفي ترتيبها، وفي الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات

ولهذا، فإن أفضل وسيلة للحفاظ على استقلالية التفكير ليست الابتعاد الكامل عن هذه المنصات، بل استخدامها بوعي، والاعتماد على التفكير النقدي، والبحث عن المعلومات من مصادر متعددة

وفي عالم أصبحت فيه البيانات إحدى أهم الثروات، يبقى الإنسان الواعي هو الأكثر قدرة على الاستفادة من التكنولوجيا دون أن يصبح أسيرًا لها

الأسئلة الشائعة 

هل تتحكم الخوارزميات في عقول الناس؟

لا تتحكم الخوارزميات في عقول المستخدمين بشكل مباشر، لكنها تؤثر في ترتيب المحتوى الذي يشاهدونه، وهو ما قد يؤثر مع الوقت في اهتماماتهم وتصوراتهم

لماذا تعرض لي المنصات محتوى مشابهًا لما شاهدته سابقًا؟

لأن الخوارزميات تعتمد على سلوكك السابق لتوقع المحتوى الذي قد تتفاعل معه مستقبلًا

هل كل ما ينتشر على مواقع التواصل صحيح؟

لا. انتشار المحتوى يعتمد غالبًا على حجم التفاعل، وليس بالضرورة على دقته أو صحته، لذلك يجب دائمًا التحقق من المصادر

كيف أقلل من تأثير الخوارزميات؟

من خلال متابعة مصادر متنوعة، وتحديد وقت لاستخدام التطبيقات، والتحقق من الأخبار، وعدم الاعتماد على منصة واحدة للحصول على المعلومات

هل الذكاء الاصطناعي هو من يدير مواقع التواصل؟

يساعد الذكاء الاصطناعي في تشغيل العديد من وظائف المنصات، مثل اقتراح المحتوى، وترتيب المنشورات، واكتشاف بعض أنواع المحتوى المخالف، لكنه يعمل ضمن أنظمة وسياسات تضعها الشركات المطورة

المصادر والمراجع

- مركز Pew Research Center
- American Psychological Association (APA)
- جامعة Stanford – أبحاث حول الإعلام الرقمي والسلوك
- مجلة Nature Human Behaviour
- مجلة Science
- مركز Center for Humane Technology
- مدونات وتقارير هندسية رسمية لشركات Meta وGoogle وTikTok حول أنظمة التوصية والخوارزميات

إرسال تعليق

أحدث أقدم